فكر

عشرة لقاءات مع صدام حسين..(1): “صدام وعلاوي وأنا”..

     لقائي الأول مع صدام حسين كان قبل الوصول إلى السلطة في 17 تموز عام 1968 حدث ذلك في ساحة الكلية الطبية العراقية أثناء الإضراب الطلابي قبيل الاستباق البعثي على سلطة عبد الرحمن عارف يوم كان هناك سباقٌ محمومٌ بين مختلف القوى السياسية يتقدمهم الشيوعيون والبعثيون من جماعة سوريا, لكن البعث العراقي (البعث الموالي لقيادة عفلق القومية) قد حسم ذلك التنافس المحموم بعد تعاونه مع مجموعة عبد الرزاق النايف التي كانت تمسك بيدها مفاتيح القصر الجمهوري وتُحكم إغلاقه.

   ومثلث النايف كما صار معروفاً بعدها هو التجمُّع الثلاثي الذي ضمَّ كلاً من العميد سعدون غيدان قائد كتيبة الدبابات في القصر الجمهوري والمقدم الركن ابراهيم الداود آمر اللواء المسؤول عن حراسة القصر الجمهوري وسلامة الرئيس عبدالرحمن عارف إضافة للعقيد عبدالرزاق النايف معاون رئيس الإستخبارات العراقية والأكثر تأثيراً وديناميكية من بين الثلاثة.

     الرئيس الطيب عبدالرحمن عارف لم يكن على غرار أخيه عبدالسلام محمد عارف الذي سبقه في رئاسة الجمهورية والذي قتل في حادثة احتراق طائرة الهليوكبتر التي كانت تُقلّه في أثناء زيارة له لمحافظة البصرة, ولا كان شبيهاً لسلف أخيه عبد الكريم قاسم الذي قتله البعثيون في ثورتهم عليه وذلك في الثامن من شباط عام 1963, فالرئيسان كانا ميّاليْن لحماية سلطتهما بالدم، أما هو فقد كان ميّالاً للسلم, مما دفع بثلاثيّ القصر المسؤولين عن حماية أمنه إلى الخروج عليه والتعاون مع البعثيين لإزاحته عن السلطة، وذلك لحماية أنفسهم أولاً من بطش السلطة الانقلابية القادمة، فيما كان (ضعف) الرئيس عبدالرحمن يشجع عليها, إضافة إلى أنَّ الثلاثة كانوا يشعرون أنهم الأولى بتلك السلطة الآيلة للزوال. وسيكون الشك بوجود قوة دولية داعمة أو محركة من وراء الستار في محله لأنه لم يكن من المعقول أن يُترَك خزّان النفط العراقي الهائل دون رقابة من الدول العظمى وعلى رأسها أمريكا.

    أما الشيوعيون المتحالفون مع مجموعة البعث المنشق عن جماعة عفلق القومية والذين أسموا أنفسهم ببعث اليسار فقد أعدّوا العدة لتهيئة الساحة الطلابية لكي يكون الإضراب الطلابي حدثاً يمهد لانقلابهم القادم, ولقد نجحوا في إضرابهم أيما نجاح حيث بدأت ثمار ذلك التحالف تَبينُ واضحة في جامعة بغداد بشكل رئيس.

   الواقع أنّ ذلك التحالف كان استمد تجربته الإضرابية من تجربة إضرابية ناجحة كانت قد سبقته بستِّ سنين يوم مهّد حزب البعث لثورته ضد سلطة عبد الكريم قاسم من خلال إضرابه الناجح الذي شمل جامعة بغداد وسرى إلى عموم مدارس العراق.

     كنت رئيساً للجنة الإتحاد الوطني لطلبة العراق في كلية طب الأسنان وذلك قبل السابع عشر من تموز بعامٍ في الأقل, وهي لجنة تمارس عملها بشكل سري. هذا الإتحاد كان حينها هو التنظيم الواجهي لحزب البعث (القومي) بين صفوف طلبة العراق. وبما أن التحالف المواجه والقائم بين الشيوعيين ومجموعة سوريا قد أفلح حقاً في أيامه الأولى بتنظيم إضرابه ضد السلطة العارفية, فقد تحسّست من جانبي أن موقفنا المناوئ لذلك الإضراب سوف يحسب في النهاية لصالح سلطة عارف (اليمينية الرجعية !) الأمر الذي كان سيُضعف موقفنا وموقعنا بين صفوف الطلبة, وحتى دون حساب ذلك فإن الوقوف على الحياد كان موقفاً سلبياً ويجب أن لا نرتضيه لأنفسنا, فنحن في النهاية ضد قوى الإضراب لكننا لسنا مع نظام عارف. كان ذلك بحضور (نزار حمدون) عضو المكتب الطلابي المركزي في الحزب الذي أرسلته القيادة لتفحص موقفنا المخالف لموقفها. في ذلك الإجتماع اقترحت أنا شخصياً أن يتحرك الحزب من داخل الإضراب لإفشاله بما لا يسمح للتحالف المضاد بمزيدٍ من التشويه الذي يؤكد على ممالأة الحزب لنظام عارف (الرجعي).

    ارتضت القيادة القطرية تعديل موقفها فأوصت بالمشاركة في الإضراب لإفشاله من داخله على أن يتم ذلك خلال ثلاثة أيام على أكثر تقدير وأوكلت لمنظمة القاطع الطبي التي كانت أكثر من غيرها تأثيراً في الوسط الطلابي لكي تكون رأس الحربة مع توصيتها بالتنسيق مع منظات بعثية ناشطة كتلك التي يقودها إحسان السامرائي ومحمد دبدب في كلية العلوم وتلك التي يقودها كريم الملا في كلية الهندسة.

    لأجل المتابعة اتفقنا, إياد علاوي وسمير البصام وأنا, على أن نكون صباح اليوم التالي لضمان مشاركتنا في الإضراب أولاً وللحيلولة دون أن تهيمن القوى المضربة على هذه الساحة الطلابية المهمة. وقد كُنّا هناك بالفعل منذ الصباح, إياد علاوي وأنا وحضر معنا طارق العاني المسؤول عن منظمة القاطع الطبي والذي سيصير بعدها مديراً لمكتب رئيس تحرير صحيفة الثورة الناطقة بإسم الحزب في عهد رئيس تحريرها كريم شنتاف عضو القيادة القومية الأسبق, ثم سفيراً للعراق في السودان يوم كان يرأسه النميري, ثم مديراً عاماً في وزارة الخارجية.

     بعد ساعة تقريباً على وقوفنا بالقرب من البناية التي كان يشغلها قسم الفيزياء وقسم الصحة العامة فوجئنا بصدام حسين وهو يقف معنا ومعه حارسه وصديقه المقرب سعدون شاكر الذي سيكون مديراً لجهاز المخابرات وبعدها وزيراً للداخلية والذي سيتسبب بفصلي من الحزب وهذا ما سأتعرض له في مشهدٍ آخر.

    طلب منا صدام حسين أن نرافقه نحن الثلاثة وكان قد عزم النية للتوجه إلى كلية الحقوق بعد أن أخبرنا أن تظاهرة للشيوعيين وبعثيي سوريا ستخرج من هناك وفي نيَّتها التوجّه إلى ساحة الكلية الطبية لتأكيد هيمنتها على هذه الساحة بعد أن خُيِّل لها أنها حسمت هيمنتها على كل الساحات الجامعية الأخرى. أما سعدون شاكر فقد كان له رأي آخر، إذ اقترح أن نبقى إياد وأنا في ساحتنا لكي نحشد جماعتنا لمواجهة التظاهرة القادمة وأن يذهب معهما طارق العاني لوحده, وهذا هو الذي حصل في النهاية إذ وافق صدام حسين على اقتراح سعدون شاكر وذهب الثلاثة عازمين على مواجهة التظاهرة, وبقينا إياد علاوي وسمير البصام وأنا بانتظار أن يلتحق بنا بعثيو القاطع الطبي.

   في المساء سمعنا بقصة المواجهة. سحب صدام وسعدون سلاحهما في وجه التظاهرة مبتدئين بإطلاق الرصاص على رؤوس المتظاهرين وأفشلا التظاهرة, وساهم ذلك الموقف في بناء شخصية البطل البعثي التي سيتقدم من خلالها صدام حسين صفوف الحزب لكي تعلو رايته على جميع الرايات.

مقالات ذات صلة