أدب

قراءة نقدية “مرموقة” لآخر روايات طه حامد الشبيب..  

من يتابع أعمال الروائي طه حامد الشبيب لا يمكن أن يتخطى طريقته الواضحة ضمن مشروعه الروائي في حرصه على ملامسة بواطن الإنسان ورصد دروب تيهه المتعددة، ولا يمكن أن يفوته أيضا انتقالاته المخطط لها في طرح حكاية مفتعلة أو مجموعة حكايا واوهام ومن ثم خلطها بالواقع حتى لا يمكننا تمييز التخييل من الأحداث الواقعية، خاصة انه يحاكي أوضاعاً مجتمعية باتت معروفة ومعيشة وليست غريبة على القارئ لكن ما يشدّنا إليها وكأننا نقرأ شيئا محدثا وجديداً هو تتبعه في خطواته للنبش في ما لا يُرى في حكايا واقعية أو متخيلة، تهدف كلها إلى الخوض في عوالم مسكوت عنها، عوالم مسكونة بهاجس البحث عن أحلام أخرى قد تقاوم كوابيس يعيشها الفرد في الواقع، الذي لا يستطيع الهرب منه، أو قد تقف حاجزا أمام تنامي الشعور بالمأساة والرعب والألم والقهر.

       رواية “توائم الرجل المسَّيب” الصادرة مؤخراً عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق سارت ضمن هذا الخط لتنقلنا من تيهٍ إلى آخر على امتداد صفحاتها تاركة الأبواب مفتوحة للتأويل والاستنتاج.

     يقدم الروائي روايته وهي مكثفة في المشاهد ومليئة بالتفاصيل لتفصح عن رجل تركته محبوبته على جسر في إحدى المدن وسيَّبته للجنون لكنه يحكي لجلّاسه أنها عادت إليه وتزوجها وأنجب منها ثلاثة توائم وهم (صخر وشامل وأدهم) لكن هؤلاء الاطفال الثلاثة يتم فقْدُهم من قبل الأبوين بعد اتّباعهم لعازف ربابة بدوي كان يجوب الأزقة عازفاً من أجل ان يجد من يكرمه، يتأثر الاولاد الثلاثة به وبسبب استمرائهم نغم الربابة واتباعهم للبدوي تتضح خيوط الروي في أن ذلك البدوي لديه مهمة أخرى بعيدة عن الربابة والنغم الشجي فقد كان يتنقل لإغواء الاطفال واختطافهم من أهلهم لغايات سياسية يقوم عليها مسؤولون كبار غايتهم تنفيذ أجندات معدة سلفا لتهيئة الاطفال بعد انتقائهم ليتسلموا مهامَّ معينة في الدولة بعد تدريبهم بشكل كبير وقاسٍ على مدى سنين الى ان يشبّوا ويشتد عودهم، وفي المحصلة كان نتاج ذلك أنْ يشبَّ الاولاد، ويمكننا التخمين انهم تدربوا ليخدموا الأحزاب التي تولّت أمر البلاد ربما بعد سقوط النظام في عام 2003 في العراق .

      الميتا سرد ومستوى الإفصاح النصي في الرواية :

     إن طبيعة البنية السردية للرواية التي تعتمد الميتا سرد في اشتغالها تفرض وجود  قصتين؛ قصة إطار وقصة تنضوي تحت القصة الأولى نطلق عليها القصة المؤطرة في بداية النص يتحدث الراوي عن الشخصية بضمير الغائب وكأن لا وجود لها في الوقت الحاضر على الرغم من أنّ الشخصية المحورية تلك ستقوم هي بسرد الاحداث جميعها لاحقا، ولكنَّ هناك إيهاماً واضحاً يكتنف الروي منذ البداية الى النهاية ما يجعلنا نُستَثار بالأسئلة، هل هناك فعلا فيما نعده القصة الاطار شخصية لرجل اختلّ عقله بعدما أضاع أولاده وزوجته ولهذا السبب رحل الى البادية وسكن بها وتزوج مرة اخرى وانجب؟ وهل هناك ما يدعم هذا التوهان الذي يعتري الرواية برمتها؟ لكون الشخص الراوي للأحداث قد يكون فاقداً لعقله بشهادة كبار السن الذين يستمعون إليه، ثم يحضر نص رواني بعيد كل البعد عن القصة الاطار ليضم القصة الاساسية وهي لب الروي ومشغله اي ان القصة المؤطرة هي التي تمسك بثيمة الروي الاساسية وتسلط الضوء على تناميها في مخيلة رجل يعتقد اصحابه واهل مدينته انه سلب عقله واصابه الجنون  فقد كان  ينخطف ذهنه ما بين الحلم والهذيان في حالة غريبة  ليسرد لنا رحلة عثوره على اولاده في (اكاديمية النشء الوطنية) وكيفية تدريبهم فيها وهي القصة التي تحمل التجربة الفكرية والنفسية لرجل وزوجته يتوهمان أنهما أضاعا أولادهما ومن ثم  وجداهم  بعد فقدهم في تلك الاكاديمية ولا يستطيعانِ استرجاعهم  أو ان الرجل المخطوف الذهن يتوهم وجود الزوجة والأولاد ويتوهم فقدهم.

    وفي سبيل الوقوف على طبيعة العلاقة التي تربط القصتين – القصة المؤطرة والقصة الإطار يقول جيرار جينيت الذي يقسمها إلى ثلاثة أنماط :

1ـ النمط التفسيري؛ بحيث يكون هناك علاقة مباشرة وسببية بين القصتين.

2ـ النمط الموضوعي، وهو لا يستتبع أي علاقة زمكانية بين القصتين، بحيث تكون العلاقة الممكنة بينهما علاقة تقابل أو تماثل.

3ـ النمط الذي لا يحوي أي علاقة صريحة بين مستويي الحكاية؛ لأن السرد هو الذي يقوم بالوظيفة كالتسلية أو إعاقة السرد (1) .

  من هنا يمكن أن تصنف العلاقة بين القصتين في الرواية بالنمط التفسيري؛ إذ أن السارد في الإطار يتحدث عن تنقله بحثا عن اولاده ووصوله الى البادية وتعرفه على اهل زوجته البدوية وكيف تم زواجه بها ومن ثم تداعيات أحاسيس الغيرة بينها وبين زوجته الاولى التي قد تكون اضاعت اولادها، ويسرد جملة من الأسباب التي دعته لذلك الزواج الثاني الذي هو في غنى عنه خاصة انه يحب زوجته الاولى وهو ليس في وضع يسمح له بالتفكير خارج موضوع ضياع اولاده وانهماكه بقضية ايجادهم؛  فالقصة المؤطرة هي سبب مباشر ومتصل في وجود القصة الثانية اي الاطار.

     ومن خلال الحكي نلمح ان الراوي يقدم الشخصية الرئيسة في القصتين باسم واحد وهو أبو صخر لأن القصتين تعنيانهِ هو لا غير أي أن احداهما مسببة ومفسرة للأخرى بالرغم من وجود عدة شخصيات ثانوية في الرواية كان دورها دعم مجرى الاحداث لا غير،  وما نلحظه ايضا ان الحالة المجهولة للسارد في القصتين تعطي شكلاً من أشكال التماهي بين البطلين، وحتى نفصل بينهما سنستخدم توصيف سعيد يقطين وسنطلق على البطل الأول في القصة الاطار(الفاعل الذاتي) وعلى الثاني في القصة المؤطرة (الفاعل الداخلي)؛ بحيث يكون “الانتقال من الذاتي إلى الداخلي في الروي المنجز انطلاقا من الذات(2)  إلى الميتا روائي بما هو نقد داخلي أو من الداخل لهذه المنظومة السياسية المبطنة التي يعمل السرد داخلها على اعطائنا إشارات مختلفة تدعم النص في معرفة زمنه ومن خلال التماهي بين الساردين،  نفهم ان الاحداث يمكن لها ان تكون قد وقعت في زمن النظام البعثي وذلك عندما يتحدث البطل عن الحزب والدولة وقولنا هذا يتضمن الشك بالمرحلة وذلك لعدم تحديد زمنها من قبل الروائي الا انه طرح اشارات يمكن تأويلها بهذا النحو، وعادة ما يكون أسلوب السرد بضمير المتكلم  بكثرة عند مؤلفي الرواية الميتا سردية، فـ ” غالباً ما يوظف المؤلّف ضمير المتكلم في سرده الرواية قريبة من السيرة الذاتية . وهو ما يحدو بالروائي لأن يركز على نمط شخصيات العوالم لأنه ” بهذا النمط يستطيع النص التأثير في المتلقي وإقناعه بإعادة ما يحدث للمنطق وإعادته آلية التخييل إلى أرض الواقع، ليجعله دائبًا في البحث عن معادلات موضوعية لهذه الشخصيات التي مرت معه أو داهمت تاريخه، وتجعل المتلقي مسكونا بشرارة الحلم والأمل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1ـ ينظر: الميتاقص في الرواية العربية “مرايا السرد النرجسي” ، د. محمد حمد، مجمع القاسمي للغة العربية وآدابها،الشارقة، ط1، 2011،  ص96.

2ـ ينظر: معجم السرديات، محمد القاضي واخرون، الرابطة الدولية للناشرين المستقلين، تونس، ط1، 2010، ص337.

مقالات ذات صلة