تحليل سياسي

بين روايتين متناقضتين..القصف والإنكار.. هل تخفي واشنطن وطهران مفاوضات الظل؟

“برقية”: تحليل سياسي*

     الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال إنَّ هذه المحادثات بدأت الأحد واستمرت حتى الاثنين، وشارك فيها مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، إلى جانب صهره جاريد كوشنر. لكن الرواية الإيرانية جاءت على النقيض تمامًا. فرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي قيل إنه كان الطرف المقابل في تلك الاتصالات، نفى أصلاً وقوع أي محادثات، واعتبر ما أُشيع بشأنها “أخباراً كاذبة”.

     هذا التناقض الحاد بين الروايتين لا يعكس مجرد اختلاف في السرد، بل يكشف طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة: حرب معلنة في الميدان، وضباب كثيف في السياسة، واحتمال قائم بأن القنوات الخلفية تعمل بصمت، بينما تستمر الصواريخ في رسم المشهد العلني.

    فالولايات المتحدة وإسرائيل كانتا قد انتقلتا إلى الخيار العسكري في 28 فبراير/شباط، بعد إعلان فشل الجهود الرامية إلى كبح البرنامج النووي الإيراني، أو في الأقل عدم تحقيق تقدم كافٍ فيها، رغم أن سلطنة عُمان، التي أدّت دور الوسيط، تحدثت عن تقدم ملموس في المفاوضات.

    ومنذ ذلك التاريخ، لم تكتفِ إيران بردٍّ مباشر، بل وسّعت دائرة الاشتباك بطريقة محسوبة، استهدفت فيها دولاً تستضيف قواعد أمريكية، وضربت بنى تحتية للطاقة في الخليج، وأغلقت فعلياً مضيق هرمز، في رسالة استراتيجية تقول إن أي حرب على إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستطال شرايين الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي والدولي.

       إغلاق مضيق هرمز، أو تعطيله عملياً، لا يُعد تفصيلاً عسكرياً عابراً، بل ورقة ضغط من العيار الثقيل. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل هو أحد أكثر المعابر حساسية في العالم، إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال. وبالتالي، فإن طهران لا ترد على الضربات بالصواريخ فقط، بل بإعادة تعريف كلفة الحرب على خصومها وحلفائهم.

     في هذا السياق، تبدو تصريحات ترامب عن “محادثات مثمرة” جزءاً من محاولة مزدوجة: من جهة، توجيه رسالة إلى الداخل الأمريكي بأنه لا يزال يمسك بخيط الحل السياسي، ومن جهة أخرى، الإيحاء بأن واشنطن لا تزال قادرة على فتح أبواب التهدئة حتى وهي تقود التصعيد.

     أما النفي الإيراني، فيحمل هو الآخر أكثر من معنى. فطهران قد تكون حريصة على عدم الظهور بمظهر الطرف الذي يتفاوض تحت النار، أو قد تكون بالفعل تنفي اتصالات لم تصل إلى مستوى التفاوض الرسمي، أو ربما تريد ببساطة الاحتفاظ بسرية أي قنوات خلفية، إذا كانت موجودة، حتى لا تُقرأ داخلياً كتنازل سياسي في لحظة تعبئة وطنية.

    ما يجري، إذن، ليس مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين أو محورين، بل صراع مركّب تتداخل فيه القوة العسكرية، والرسائل الإعلامية، والتكتيك الدبلوماسي، والحرب النفسية. فكل طرف يحاول أن يُظهر نفسه في موقع المتحكم بالإيقاع: واشنطن تتحدث عن مسار تفاوضي قائم رغم النار، وطهران تتحدث بلغة الإنكار السياسي فيما ترفع منسوب الردع الميداني.

مقالات ذات صلة