مجلة أميركية: كيف أعادت الضربات العنيفة إنتاج “شرعية” النظام في إيران؟


“برقية”: ترجمة
لم تعُدْ الضرورة الملحّة الآن هي “التغيير السياسي” في إيران، بل “السلامة الشخصية”، كما يرى نيك بيلهام، مراسل شؤون الشرق الأوسط لمجلة الإيكونوميست. ويبدو أنّ مقتل علي لاريجاني وغلام رضا سليماني، وهما من الشخصيات الأساسية في النظام الإيراني، وجميع من قتل قلبلهما أو بعدهما (اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني اسماعيل الخطيب) وغيره، أثار مزيدًا من التساؤلات حول ما يجري داخل إيران.
وحسب المراسل، ظلّ التحقق من ذلك، أمرًا بالغ الصعوبة ومحفوفًا بالمخاطر. ففي المناسبات النادرة التي يسمح فيها النظام للصحفيين الأجانب بالدخول، يحيطهم بمرافقين ورجال يراقبونهم. وكان الاعتماد في التقارير المستقلة قائمًا على تطبيقات مشفّرة مثل واتساب، أو على الاتصالات القادمة من الخارج.
لكن حتى ذلك أصبح مؤخرًا شبه مستحيل. فقد عمدت السلطات إلى خنق الوصول إلى الإنترنت، وحصرت الاتصال في أيدي قلّة موثوق بها. ويُمنح الموالون ما يُعرف بـ “خطّ سفيد” (أي الخطوط البيضاء) وهي قنوات مميّزة تُستخدم لنقل الروايات الرسمية ونقاط الحديث الحكومية.

ويقول مراسل الإيكونوميست: ما يزال الإيرانيون قادرين على الاتصال بالخارج، لكن مستوى الرقابة بات شديدًا إلى درجة أن قلّة فقط تجرؤ على الاتصال بالصحفيين. ومع ذلك، توجد بعض الحلول الالتفافية. فقد انتشر الوصول إلى ستارلينك، شبكة الإنترنت الفضائي التابعة لإيلون ماسك، رغم الحظر.
ويقوم الأكراد بتهريب الأجهزة عبر الحدود العراقية، وبيع باقات الإنترنت في المدن الإيرانية الكبرى. غير أنها تظل باهظة الكلفة على نحو يمنع معظم الناس من استخدامها، في اقتصاد راكد: فثمن غيغابايت واحد يتجاوز 10 جنيهات إسترلينية (13 دولارًا)، وهو أكثر مما يكسبه معلّم في يوم كامل. كما أن هذه الخدمة بطيئة وخطيرة الاستخدام. ولذلك، تبقى بعيدة المنال بالنسبة إلى معظم الإيرانيين.
إنّ الغضب يتعمق –برأي بيلهام- مع تعرّض البنية التحتية للهجوم. فقد أقرت إسرائيل بأنها استهدفت مجمّع الكهرباء الحكومي إلى جانب قاعدة استخباراتية. وأدّت الضربات التي استهدفت مستودعات النفط في طهران إلى تحويل النهار إلى ليل، وتسببت في هطول أمطار حمضية. وفي 9 آذار/مارس، أعلنت جمعية الهلال الأحمر أن أكثر من 6,000 موقع سكني قد تضرّر.

وعلى نحو متزايد، بات الإيرانيون يصرخون غضبًا لأن ما يتعرض للهجوم هو بلادهم لا النظام فقط. وقد تراجع التأييد لأي تدخل أجنبي. ويضيف بيلهام: قال رفيقي في السفر من أصفهان، باعتراف متحفّظ: “أفضل النظام.“
أما أركان النظام –يقول المراسل- فيبدون في المقابل في حالة من الابتهاج. فقد حوّل مقتل خامنئي في منزله صورته، من رجل عجوز متجهم على المستوى الوطني، إلى شخصية أسطورية، وجرى وضعه في مصاف أوائل شهداء الشيعة الذين يملؤون سردية النظام. وبعد إبعاده عن الأنظار العامة — سواء لحمايته أو لأنه مصاب بجروح تمنعه من الظهور — أُحيط ابنه وخليفته مجتبى بهالة الإمام الغائب. وباتت هذيانات المتشددين عن الشيطان الأكبر والصهاينة تبدو فجأة وكأنها قد ثبتت صحتها. وكذلك الحال مع تخوين المعارضين في المنفى واتهامهم بالخيانة بسبب تأييدهم لهجوم أجنبي.
وبدلًا من المتظاهرين الذين كانوا قبل شهرين يهتفون باسم رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، احتشد أنصار النظام في تظاهرة يوم القدس في الشوارع، حتى بينما كانت القنابل تتساقط من حولهم. وسار بينهم كبار السياسيين الذين ما زالوا في قمة هرم النظام.
ويختم مراسل الإيكونوميست قوله: لقد تلاشت الآمال في تغيير النظام الذي كان كثيرون من الإيرانيين يتطلعون إليه بعد مقتل خامنئي. فعلى الرغم من خسارته لكوادره، لم ينهَر النظام. كما أن الحرس الثوري الإيراني بات يمتلك الآن مهمة وطنية. وعندما يُسأل قادته عن قدرتهم على الصمود، يشيرون إلى الحرب التأسيسية مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي. فقد استمرت ثماني سنوات.





