أنا وداود الفرحان..والصحافة




عند التحاقي بقسم الصحافة في كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1964 تعرفت على ثلاثة زملاء سرعان ما أصبحوا من أعز الأصدقاء هم حارث طاقة وداود الفرحان ، وأسامة الصالحي أطال الله في عمره.
وتوطدت العلاقة بيني وبين داود وكان يعرف أنني بعثيٌّ وكنت أعرف أنه ناصريٌ، وأصبحنا لا نفترق عن بعضنا ، نراجع دروسنا، ونرتاد المقاهي والمطاعم سوية، وكنا عادة ما نتخذ مقاعدنا في مقهى يقع مقابل مقهى الزهاوي نراجع دروسنا ونتابع نشرة الأخبار في التلفزيون ، أو في مقهى في محيط ساحة الجندي المجهول في السعدون .
نأكل تكة وكباب في شارع الرشيد أو نذهب إلى مطعم الجندول في ساحة الجندي المجهول لنأكل البرياني أو التمن مع الفاصوليا البيضاء.
ظُهْرَ أحد الأيام كنا في مقهى بساحة الجندي المجهول واحتجنا لتناول وجبة الغداء فاقترح داود أن نأكل كباباً في مدينة الحلة!
كانت فكرة مثيرة وافقتُ عليها فوراً فسافرنا بسيارات الأجرة إلى الحلة وأكلنا الكباب وتجولنا في المدينة قبل أنْ نعود إلى بغداد، وعلمت في وقت متأخر أنه قد أصبح نباتياً لا يأكل اللحوم.
كنتُ أعرف منه أن السيدة زوجته لا تأكل اللحوم وربما تعلم منها ذلك أو أن أوجاع القلب تقتضي الابتعاد عن اللحوم والدهون.
نجحت إدارة قسم الصحافة في شباط 1967 في إقناع رئاسة جامعة بغداد بالموافقة على قيام طلبة السنة الثالثة برحلة تدريب صحفي خلال العطلة الربيعية في المطبوعات اللبنانية ، وتحملت الجامعة جميع مصاريف السفر والفنادق وصرفت لكل واحد منا سبعة دنانير ونصف الدينار مصروف جيب.
على أية حال، ذهبنا الى بيروت برفقة مدرسنا الدكتور حسن العيدي وقضينا فيها أياماً جميلة وكانت مجلة الأسبوع العربي لصاحبها ياسر هواري المطبوع الذي نتدرب فيه أنا وداود على فنون التحرير والتصميم.
بدأت مجلة الأسبوع العربي بالصدور عام 1959 وكانت مع جريدة النهار ومجلة الصياد من أشهر المطبوعات اللبنانية التي تنتشر وتوزع في كل الدول العربية ، واستمرت حتى عام 2014 عندما توقفت نسختها الورقية واكتفت بالصدور ألكترونياً.
قضينا وقتاً ممتعاً في بيروت بعد ساعات التدريب وقمنا سوية بالإطلاع على معالم العاصمة اللبنانية وضواحيها، وأشهر مقاهيها، وذات ليلة دعانا الأخ ليث عريم الذي كان أحد زملائنا في قسم الصحافة وفي سفرة بيروت إلى أمسية في كازينو لبنان وكان عدد الذين دعاهم ليث محدوداً جداً ،الدكتور حسن العيدي وأنا وداود واثنين أو ثلاثة أخرين ، وشاهدنا استعراضات غنائية وراقصة وأكلنا وشربنا !
وكان المرحوم ليث قد رافقنا الى بيروت بسيارته الخاصة وتحمل جميع مصاريف دعوته الخاصة دون أن يقبل إنفاق شيءٍ مما قدمته إدارة الجامعة لنا ، وكان يتردد على لبنان صيف كل عام.
في أحد الأيام لم يعجبنا أن نذهب مع الزملاء في رحلة الى مدينة صيدا ، واقترح داود أن نزور المناضل الفلسطيني غسان كنفاني في مكتبه بجريدة المحرر ، وحصل ذلك..وعندما قابلناه وإطمأن ، ابتسم كنفاني ورفع جريدة كانت على مكتبه فإذا به يعيد المسدس من تحت الجريدة الى درج المكتب معتذراً أنه لم يكن يعرف صحة هويتنا.
وبعد المقابلة ذهبنا لنتجوّل في حدائق الجامعة الامريكية في بيروت حتى حل المساء فعدنا الى فندق المنارة في رأس بيروت حيث نقيم.

وبترتيب مع مدرسنا اجتمعنا في قاعة لنستمع ما سيقوله ياسر هواري لنا عن حياته الصحفية ، فتفوّه الرجل بعبارات ضد الرئيس المصري جمال عبدالناصر فاستشاط داود غضباً ورد على هواري لكنه لم يتراجع فهاجم الدول القومية كلها، فانفرط الاجتماع بخروجنا جميعاً من القاعة احتجاجاً.
كان داود الفرحان يعمل صباحاً في أمانة العاصمة في مكتب يديره الفنان فخري الزبيدي ، ويلتحق بعد الظهر بالدوام معنا في قسم الصحافة ، وكنت كثيراً ما أزوره في مكتبه .
وفي أحد الأيام كنت في طريقي إليه حين التقاني في ساحة السراي مقابل مديرية الشرطة وهو يصرخ لقد اندلعت الحرب، وكانت سيارته الصغيرة ذات المقعدين على مقربة منا فذهبنا الى منزله في الدورة حيث تقيم العائلة ويملك الوالد سلمان الفرحان الجبوري بعض البساتين فيها.
جلسنا في غرفة الضيوف وكان صوت الراديو عالياً وقد ربطت الإذاعة العراقية إرسالها على موجات إذاعة القاهرة ورحنا نستمع إلى بيانات الحرب .
تعرفت ذلك اليوم على والد داود ورحب بي كثيراً وجلس معنا يستمع لبيانات الحرب حتى المساء، ولم يكن داودُ يستخدم سيارة والده كثيراً وكان عادة ما يأتي الى الدراسة في قسم الصحافة بوسائط النقل العام .
ولداود شقيقٌ، وشقيقة أصغر منه سناً ، وأصيب بعد الاحتلال بفاجعة اغتيال شقيقه ، ثم اغتيال زوج شقيقته .
******
عقب انتهاء الامتحانات السنوية أصبحنا قد تجاوزنا السنة الثالثة وسندخل في خريف 1967 السنة الرابعة الأخيرة من دراستنا الجامعية.
وقد نظمت لنا ادارة القسم فترة تدريب صيفية في الصحف المحلية ، فكانت جريدة صوت العرب لصاحبها المحامي فوزي عبد الواحد المطبوع الذي ذهبنا أنا وداود وطارق مكية للتدريب فيها .
وبإشراف سكرتير التحرير سجاد الغازي كنا نستمع إلى ملاحظاته في مطبعة الزمان المواجهة لدائرة إسالة الماء في ساحة المأمونية بينما تتخذ إدارة الجريدة مقرها في مبنى يقع خلف المقر السابق لمحكمة الشعب في مواجهة الشارع الذي يقع فيه البريد المركزي والثانوية المركزية.
وبعد أن استفسر الغازي عن اهتماماتنا الصحفية فضل داود كتابة العمود الصحفي بينما اختار طارقٌ تغطية الأخبار المحلية ، وأخترت أنا إجراء المقابلات والتحقيقات الصحفية.
كنا في صوت العرب خلال الفترة التي كان يكتب أعمدتها الشاعر سامي مهدي وجليل العطية وحسن العلوي.
وقد التبس على البعض تعرض داود الفرحان لمضايقة دائرة الاستخبارات العسكرية فتوهموا أنه قد تعرض حينئذ للاعتقال وهو ما لم يحصل بالتأكيد.
من ناحيتي نشرت الجريدة لي آنذاك عدة مقابلات صحفية مع المهندس فؤاد الركابي والاقتصادي محمود الحمصي رئيس جمعية الاقتصاديين وهاشم علي محسن رئيس الإتحاد العام لنقابات العمال والدكتور يوسف عز الدين، وبعض المقالات.
وخلال فترة التدريب بجريدة صوت العرب عرض سجاد الغازي علي اقتراحاً، وقبلت عرضه فوراً.
والعرض هو المشاركة في جولة صحفية تنظمها مديرية الاستخبارات العسكرية في شمال العراق، وذهبنا هاشم النعيمي واسماعيل الجبوري وأنا وآخرون، وكانت فرصة رأيت فيها شمال العراق من كلالة شرقاً الى سرسنك ودهوك غرباً، وقابلنا خلالها الزعيم الكردي مصطفى البارزاني في مضيق ناوبردان في أقصى شمال العراق قرب الحدود الإيرانية وتناولنا طعام الغذاء معه وكان يوزع قطع الدجاج المشوي علينا ، وكذلك قابلنا منافسه جلال طالباني في منطقة كويسنحق .
عدنا الى الدراسة حتى تخرجنا في السادس من تموز عام 1968 ، وبسبب تبعات نكسة حزيران كان يجب على جميع طلبة الجامعة المتخرجين الالتحاق بدورة تدريب على السلاح لمدة أسبوع قبل استلامنا شهادات التخرج.
###########
وفي ترتيب مسبق خاص أصبحت بعد التخرج من الجامعة مراسلاً للوكالة العربية السورية للأنباء سانا وانضم داود الفرحان محرراً في مكتب وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية،
وبقي فيها يداوم عصراً حتى بعد أن توظف في وزارة الثقافة والإعلام في شعبة الصحافة ومديرها المرحوم الشاعر سامي مهدي .
ورافقنا نحن الصحفيين النائب صدام حسين ذات مرة ومراسلي وكالة الصحافة الفرنسية وشينخوا الصينية، وألبير مراسل رويترز في زيارة لشمال العراق وتناولنا الغذاء معه في منطقة سد دوكان قبل أنْ نعود الى بغداد.
كنا في طائرة ثانية للصحفيين بينما كان صدام وحاشيته في الطائرة الأولى، واضطرب داود من ركوب الهيلكوبتر ربما لأنها كانت تطير فوق المزارع والبساتين وقرب سطح الأرض ،فأصيب هو ومراسل رويترز ألبير ، بالدوار وراحا يفرغان ما في معدتهما حتى انقذهما مساعد الطيار بغلق أبواب الطائرة والطلب من الطيار التحليق على ارتفاع أعلى بعيداً عن الأرض.
وذهبنا سوية الى السفارة المصرية للتسجيل في سجل التعازي الذي فتحته السفارة لمناسبة وفاة الرئيس جمال عبدالناصر في 28 أيلول 1970.

####
درس داود الفرحان الابتدائية في كلية بغداد وكان من زملائه في هذه المدرسة عبد الحق العاني وإياد علاوي ودرس الصحافة في جامعة بغداد.
واشتغل في أمانة العاصمة في مقرها الذي ما يزال قائماً ووزارة الثقافة والإعلام في الباب الشرقي ووكالة انباء الشرق الاوسط في عمارة زكي جميل حافظ في محلة المربعة، ورقابة المطبوعات في المراسلات البريدية في بارك السعدون وجريدة الجمهورية في الصرافية ووكالة الأنباء العراقية في الصالحية .
وكتب في الجمهورية وألف باء والأخبار المصرية واليمامة السعودية والشرق الأوسط اللندنية. وقدم برنامجاً تلفزيونياً تحت عنوان (حوار الطرشان) في قناة البغدادية بالقاهرة قبل أنْ يغلقها صاحبها عون الخشلوك .
كما أشتغل في جريدة النداء التي أصدرتها وزارة الإعلام خلال الوجود العراقي في الكويت ودامت أقل من ستة شهور.
وفي واع كان الود مقطوعاً بينه وبين المدير العام ويقاطع كل الاجتماعات التي نجريها في هيئة التحرير ولا يتكلم أحدهما مع الآخر.
وكان معتاداً على غلق باب مكتبه على نفسه لكي يوحي بأنه خارج المكتب أو يذهب للطابق السابع لزيارة وكيلي الوزارة حميد سعيد أو نوري المرسومي.
وكنت أعرف أنه في داخل المكتب ولو أنّ الباب كان مغلقاً، وأتصل به على رقم الهاتف الداخلي ليفتح لي الباب للتشاور معه في حركة الأخبار.
اعتقل مرة واحدة في حاكمية المخابرات ببغداد بتعليمات من الرئيس صدام حسين وقضى فيها ثلاثة أشهر قبل إطلاق سراحه وعودته لعمله الصحفي. واستدعي للتحقيق عدة مرات في الاستخبارات العسكرية والمخابرات العامة .
حصل على عدة مكرمات من صدام حسين منها سيارات وشقة في مجمع 28 نيسان كانت حسب اختياره ، باعها بعد سنوات واشترى شقة أكبر في زيونة.
لا يحب رؤية الدم ، وكنا في سينما النصر نشاهد فيلم الأرض، وعندما يقتل محمود المليجي إحدى الممثلات يسيل دمها على الشاشة ووجدت داودَ فجأة قد سقط من الكرسي بجانبي لأنه لم يتحمل رؤية الدم وعندها غادرنا قاعة السينما قبل انتهاء العرض.
وكان مولعاً وبإدمان بجمع الأعداد الأولى لكل جريدة أو مجلة تصدر حديثاً في العراق وفي الأقطار العربية الأخرى ، ويحتفظ بشقته في زيونة بخزين كبير من نتائج هذه الهواية.

#######
وبعد الاحتلال ، وكما أبلغني بأنه قد شارك في كل المداولات التي جرت في منزل ناجي طالب لتوحيد الحركة الناصرية وإطلاق التنظيم علناً .
وقد كلف المجتمعون داود الفرحان بنقل رغبتهم إلى السلطات المصرية ،وسافر براً إلى عمان ثم بالطائرة الى القاهرة وأجرى اتصالاته مع المعنيين، لكنه لم يحصل على موافقة الحكومة المصرية، فعاد الى بغداد ليبلغ القوى الناصرية بذلك.
لداود هوى بالقاهرة جاء من انتماءاته للناصرية وحبه بلا حدود للرئيس جمال عبدالناصر ، وأصيبت إقامته بالقاهرة كدبلوماسي، مستشاراً صحفياً بنكسة عام 1990 حينما جرى قطع العلاقات الدبلوماسية بعد أزمة الكويت واضطر للعودة الى بغداد بعد ثلاثة شهور من وجوده في القاهرة.
ولما اضطر وعائلته لمغادرة العراق بعد الاحتلال قال لي إنه لم يكن يدري كيف يهدّئ زوجته وبناته من البكاء في السيارة التي تنقلهم عبر الصحراء الى الأردن، وهو في الوقت نفسه يشاركهم في البكاء على مغادرة العراق.
وكنا نتصل بعضنا بالبعض الآخر هاتفياً او ألكترونياً وهو في القاهرة وأنا في نيويورك.
هاجرت إحدى بناته إلى السويد وشجعته على الهجرة الى السويد أيضا لكنه كان يتذرع ببرودة الطقس هنالك وصعوبة تعلم اللغة فيها ولا يريد أنْ يهاجر الى الولايات المتحدة لأنها بعيدة عن العراق، ويفضل الذهاب إلى بريطانيا، وقلت له إنّ طقسها بارد أيضاً ، ورد أنها أقرب مسافة للعراق ولمصر.
عندها سعيت لمساعدته وتزويده بأسماء وهواتف عدد من الهيئات والشخصيات العراقية والعربية حصلت عليها من المرحوم صلاح عمر العلي وأرسلتها الى داود مع توصية بأن يتصل بالعلي كلما احتاج لمشورة إجراءات الهجرة ، وكان نجاحها مضموناً ، لكنه بقي في مصر يعاني من الكآبة بعد وفاة زوجته ووفاة صديقه المذيع غازي فيصل وهجرة إحدى بناته وتعدد أمراضه بعد أن أصيب بوباء كورونا ونجا منه ، ثم أوجاع القلب ، فاعتكف في البيت لا يخرج إلا عند الضرورة.





