مقالات

في ضيافة المدافع .. بعضٌ من الرجال الأوفياء

     بعد قرار فصلي من الحزب نهاية عام 1981 بدعوى عدم التطوع في الحرب العراقية الإيرانية, وهو أمر سوف أتحدث عنه لاحقاً لأكشف عن المشاهد الحقيقية التي تؤكد أن ثمة لعبة حقيقية قد رافقت ذلك المشهد المؤلم سواء على مستواها العام أو ذلك الخاص بي شخصياً.

    تبع ذلك القرار الحزبي، نقلي من كلية طب الأسنان في بغداد حيث كنت أعمل فيها مدرساً لموضوعة الجسور والتيجان إلى طبيب أسنان إختصاصي في وزارة الصحة. أرسل علي المرحوم الدكتور رياض الحاج حسين وزير الصحة آنذاك الذي كنت وإياه على علاقة حزبية لكوني شاركته إدارة منظمة النشاط الوطني في كل من وزارتي الصحة والتعليم العالي وهي منظمة حزبية تهتم بتنظيم العلاقات مع الأطباء الإختصاصيين وبقية التدريسين في كلا الوزارتين.

      طلب مني الوزير الشهيد أن أختار أي مركز صحي لطب الأسنان في بغداد على أن أقرر بنفسي بعد شهر فيما إذا كنت أرغب بالبقاء فيه أم الانتقال إلى مكانٍ آخر. شكرت للسيد الوزير موقفه الكريم والشجاع فلقد كان الموقف محرجاً جداً. كثير من الرفاق البعثيين من معارفي كانوا قد آثروا التريث بإنتظار معرفة درجة حساسية الموقف وذلك لتحديد نوعية العلاقة معي بعد أن أصبحت طريداً في الزمن الصعب وبتهمة على درجة كبيرة من الحساسية, وكان من بين أولئك عديدون كانت لي معهم علاقات شخصية متينة.

    بالنسبة لي لم يثرني موقفهم كثيراً إذ كان علي في ذلك الظرف الصعب أن أقدرلهم خوفهم وتوجسهم مثلما أحسب للشجعان منهم موقفهم الإستثنائي للتعبير في وقت الشدة عن إلتزاماتهم الأخلاقية فالعلاقات الأمنية كانت قد وضعت بقية العلاقات الإنسانية والمجتمعية وحتى الأخلاقية جانباً.

     كثيرون تصرفوا مع القرار بشجاعة .. على سبيل المثال صديقي وأخي الدكتور غالب الجاسم رحمه الله الذي أصبح نقيباً لأطباء الأسنان مباشرة بعد قرار فصلي. زارني في البيت وترك مفتاح سيارته أمامي في مبادرة كريمة للإعلان عن محبته لي بعد أن أعلن أن ذلك لن يعني بكل الأحوال عدم إلتزامه بقرار الحزب, وإلا فلتكن هي مشيئة الله.

    الدكتور عبدالسلام السلمان الذي صار مديراً عاماً في زارة الصحة أظهر الكثير من الكرم الأخلاقي فلم أره إلا وهو يقدمني على نفسه في أي مشهد اجتماعي أو حتى رسمي.

ولنيتي التفرغ للعمل في عيادة خاصة بي فقد أمر الدكتور عبد الباقي المدير العام لمؤسسة إستيراد وتوزيع الأدوية والمستلزمات الطبية بحجز جهاز الأسنان الوحيد المخزون لأغراض العرض لحين عودتي من الجبهة.

على الجهة المقابلة كان هناك أشخاص لا أريد أن أذكر أسماءهم قد تحاشوا الإتصال بي خوفاً أو تحسباً, ومن جهتي حاولت أن أقدر لهم تصرفهم ذاك لأن مواقعهم الحزبية كانت قد جعلت مواقفهم بالغة الحساسية, مع إعتقادي أنه كان بإمكانهم تصريف الأمر بطريقة سلوكية أفضل إذ أنني كنت قد تعمدت ولكي لا أسبب لهم أي إحراج أن أبتعد عن كل الأماكن الإجتماعية التي كنا نلتقي فيها.

    لكن الأغرب حقاً من بين كل هؤلاء هو جاري في منطقة سكناي, فالرجل لم تكن له علاقة بالعمل السياسي إلا أنني كما عرفت بعدها كان قد وضع عينه على وظيفة المدير العام لمؤسسة (…) التي يعمل فيها وذلك بعد أن فرغت هذه المؤسسة من أغلب موظفيها بقرار من صدام حسين, الذي أمر وعلى طريقته بإدارة الدولة, أن يضع النسبة المطلقة من هؤلاء الموظفين في الحجز بعد فصلهم من وظائفهم, وقد شمل قراره ذاك حتى فراش أو بواب المدير العام نفسه..

  وهكذا وجد صاحبنا أن الحظ تماماً مثل ساعي البريد فهو لا يطرق الباب مرتين ولذلك قرر منذ اليوم التالي أن يعدم كل فرص اللقاء بي, وحتى أنه كان يخرج إلى سيارته منحنياً لكي يكفل لبقية السور الفاصل بين بيتي وبيته أن يخفي ما يتبقى من جسده الكريم حتى يعفيه ذلك من عقوبة اللقاء بي.

     ولكي أوفر عليه عذابات الطموح قررت فوراً أن أرفع السياج الفاصل بين دارينا خمس طابوقات دفعة واحدة.

مقالات ذات صلة