فكر

ما بعد تموز 1958 .. هذا ما حدث (2)

    إنَّ الزعيم قاسم الذي كان وطنياً عراقياً صميمياً هو الذي أطلق شعار (الجمهورية العراقية الخالدة) لمواجهة الذين يدعون إلى إلحاق العراق كجزء من دولة الوحدة التي يقودها عبدالناصر معلناً (إننا جزء من كل ولسنا جزءاً من جزء), ويقصد بذلك أن العراق هو جزء من الأمة العربية وليس جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة التي كان يقودها عبدالناصر والتي تشكلت من وحدة سوريا ومصر.

     فإذا حسبنا أن الشيوعيين هم الذين بدأوا الصدام الجسدي الدامي فإن القوميين والبعثيين هم الذين كانوا البادئين بصراع النقائض العقائدي الذي أطلق شرارة الإنفجار.

     الحال، إن التيار القومي يتحمل مسؤولية بدء صراع النقائض على المستوى الفكري والسياسي لكن الشيوعيين يتحملون مسؤولية نقل ذلك الصراع إلى مستوى إبادة الخصم, وسوف نرى بعد ذلك كيف اطلق البعثيون خزين الثار ضد الشيوعيين الذين لم يكونوا بعيدين أيضاً عن إشعال شرارة الإنتقام ضدهم حينما انتصروا للزعيم قاسم في اليوم الأول من الإنقلاب البعثي ولم يجنحوا للسلم أو يقفوا على الحياد مما استدعى حسب إدعاء البعثيين إلى إصدار البيان رقم 13 الذي قال الشيوعيون عنه إنه البيان الذي دعا إلى إبادتهم.

       وعلى مستوى كبير من الدقة, ورغم تفاوت التوقيتات وحساب الخسائر البشرية بلغة الأرقام, يصح أن نقول إنَّ الاثنين يتحمّلان سويةً مسؤولية ذلك الصراع الدامي لأنهما كانا يؤمنان معاً بذات النظرية الشمولية التي لا تؤمن بوجود الآخر الطيب إلا إذا كان ميتاً. واجزم أنّ الشيوعيين ما كانوا ليرحموا البعثيين لو أنهم الذين سيطروا على نظام الحكم فها هم يستثمرون قصيدة الجواهري التي قالها لتنبيه قاسم إلى خطر الانقلاب ضد نظامه لإعادة النظام الملكي فنراهم وقد استثمروها ضد البعثيين والقوميين:     

تَصّور الأمر معكوساً وخُذ مَثلاً / لِما يجرونهُ لو إنهم نصروا

تا للهِ لأقتيدَ زيدٌ بإسمِ زائدة / ولاسطلى عامرٌ والمُبتغى عُمرُ

فَضّيِقْ الحبلَ وأشدِدْ من خناقهم/ فربما كانَ في إرخائهِ ضَرَرُ

     وتجربة السحل في عام 1959 تؤكد على ذلك مثلما تؤكد عليه حالات إفناء الخصوم التي درجت عليها الحكومات الشيوعية في البلدان الأوروبية الشرقية التي خضعت لها وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية.

     أما عبدالكريم قاسم فقد كان من صالحه تغذية ذلك الصراع البعثي الشيوعي وفق مخطط استهدف أولاً تحجيم الخصم البعثي (العاجل) بإنتظار تحجيم الخصم الشيوعي (الآجِل), حتى إذا ما إنزاح غبار المعركة عن تراجع قوة القوميين رأيناه يفتح صفحة الصراع الثانية التي تضمنت إعادة ترتيب حجوم القوى لصالح حكمه الفردي المطلق, فعفا عن البعثيين الذين حاولوا اغتياله وبدأ بعدها حملة فك عرى التحالف مع الشيوعيين, وحتى أنه بدأ بمطاردتهم وتوقيفهم وسجنهم, لكنه لم يبدِ معالجة قانونية للجرائم التي ارتكبوها وذلك بِنية عدم التفريط بصداقتهم وتأييدهم له.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق