ماذا لو؟..الأسئلة التي لا نكفّ عن حملها معنا



وفي مجالسنا اليومية، مع أهلنا، أصدقائنا، أو من نحبّ، لا تخلو أحاديثنا من هذه الأسئلة:
(ماذا لو أصبحت غنياً؟)
(ماذا لو رجعت شاباً؟)
(ماذا لو استطعت أن تغير شيئاً في حياتك؟)
لا نطرحها عبثاً، بل لنرى من خلالها قلوب الآخرين، تطلعاتهم، وجروحهم المخفية. نُشاركهم السؤال، ثم نُدخِل أنفسنا في الدوامة ذاتها:
(لو أنا… لفعلت كذا وكذا وكذا.)
هي لعبة خيال، لكنها صادقة، كاشفة، وتمنحنا لحظات من الصفاء قد لا نعيشها كثيراً.
ماذا لو أصبحت غنياً؟
ليست الثروة في حقيقتها جمع المال…
إنها رغبة دفينة في التحرّر، في عدم الحاجة، في القدرة على منح من نحبّ دون انتظار المقابل.
أن تكون غنياً لا يعني أن تملك الملايين، بل أن تعيش مرتاح الضمير، مرفوع الرأس، لا تُذلّك فاتورة، ولا يُحنيك طلب.
ماذا لو رجعت إلى عمر العشرين؟
العشرون ليست فقط سن الشباب، بل هي لحظة كانت فيها الحياة كلها أمامك…
وكان قلبك نقيّاً، وخياراتك مفتوحة، وأخطاؤك مغفورة.
فماذا لو عُدت إلى تلك النقطة؟
هل كنت ستختار الطريق نفسها؟
هل كنت ستمنح حبك لنفس الأشخاص؟
هل كنت ستتجاهل صوت قلبك… أم ستنصت له هذه المرّة؟
ربما لن تغير كل شيء، لكنك على الأرجح ستكون أكثر حذراً، أكثر حُباً لنفسك، وأقل تضحية لأجل من لا يستحق.
ماذا لو وجدت مصباح علاء الدين؟
كلنا، في لحظة ضعف، تمنينا شيئاً خارقاً يُخرجنا من أزماتنا…
مصباح، خاتم، معجزة، أي شيء يختصر الطريق ويمنحنا ما لا نستطيع نيله.
لكننا كبرنا… وفهمنا أن لا شيء يأتي دون ثمن، وأن الحياة لا تعطي إلا لمن يسعى.
صرنا نعرف أن أقوى (مصباح) هو العقل، وأغلى (خاتم) هو الإرادة، وأن الأمنيات لا تُلبى إلا على رُكبتي الجهد والدعاء.
ماذا لو حكمت بلدك؟
تخيل أن تُعطى مفاتيح وطنك…
ماذا كنت ستصلح أولاً؟
الفقر؟ الجهل؟ الكرامة المهدورة؟
هذا السؤال ليس سياسيًا، بل هو إنساني.
لأن من يسأله، لا يحلم بالعرش، بل يحلم بالعدل، بالأمان، بأن يعيش الناس بوجه مرفوع وقلب مطمئن.
هو سؤال روحٍ موجوعة تريد أن ترى وطنها كما يليق به… لا كما أرادوه له.
ماذا لو جلست مرة أخرى مع من تحب وقد رحل؟
أي جرحٍ يُعاد فتحه حين تتخيل أن يجلس أمامك وجهٌ غاب، صوتٌ اشتقت له، حضنٌ بردت الحياة بعده.
هل ستبكي؟

أم ستعتذر؟
أم تضحك من قلبك كما كنت تفعل قديماً؟
ربما تسأله ألف سؤال لم تجد له جواباً من بعده… أو ربما ستصمت، فقط تصمت، وتُطيل النظر إليه خوفاً من أن يختفي ثانيةً.
نعم، في الخيال ممكن… وفي الواقع مستحيل.
لكن العلم، أحياناً، يحاول أن يداوي ما لا يُداوى.
رأينا بعض التجارب حيث استخدم الباحثون تقنيات (الواقع الافتراضي) ليجمعوا أماً مكلومة بابنتها الراحلة، أو أباً محطماً بابنه الذي خطفه الموت…
وشاهدنا اللقاء… لا جسداً، بل ظلالاً من ذكريات، ونبضاً رقمياً حرّك الدموع، لا الأرواح.
ولكن…
يا ترى، هل يكفي هذا اللقاء؟
هل يُشبع القلب؟
هل يُطفئ الحنين؟
هل ينام الأب بعدها مرتاحاً؟ هل تهدأ الأم ويبرد صدرها؟
أم أن اللقاء المؤقت يفتح جرحاً قديماً، ويُشعل ناراً لا تنطفئ، لأنه يؤكد الحقيقة المؤلمة: أن من نُحب، لا يعود.
(أشتاقك، ليس لأنك غبت… بل لأنك تركت مكاناً لا يملؤه سواك.)
ماذا لو صحوت وكنت في العشرين من جديد؟
تخيل أنك استيقظت ذات صباح، لتكتشف أن حياتك كانت مجرد حلم طويل…
وأنك الآن في بداية شبابك، بروحك الناضجة وعقلك الذي علّمه الزمن،
ولديك الحق في أن تغيّر خمسة أشياء فقط.
ما هي؟
من كنت ستُبعد؟
من كنت ستُقرّب؟
أي قرار كنت ستُلغيه؟
أي فرصة كنت ستتمسك بها حتى الرمق الأخير؟
هذا السؤال ليس خيالاً فقط، بل اختبار صامت لوعينا اليوم… فهل ما نعيشه هو ما نريده حقاً؟
لماذا نطرح هذه الأسئلة؟
لأنها تُبقي الإنسان حيًّا من الداخل.
لأنها تُربّينا بصمت، وتُذكّرنا أن خلف كل (لو) هناك إنسانٌ ندم، أو اشتاق، أو حلم، أو خاف، أو أحبّ أكثر مما يجب.
وفي نهاية المطاف أقول: نطرح هذه الأسئلة لا لنغيّر الماضي، بل لنفهم الحاضر. نطرحها لأننا بشر، نحلم ونشتاق ونتألم. وإنْ لم نملك الجواب، فإننا نملك القدرة على أن نعيش الغد بطريقة مختلفة.
فاسأل نفسك كل يوم دون خجل: (ماذا لو؟)…





