عشرة لقاءات مع صدام حسين (5): “عدنان القيسي وأيلول الأسود”..



السنوات التي جمعتني مع صديقي كاظم جعفر كانت من أروع السنوات, ليس بادّعاء خلوّها من المناكفات ولكن لأنها كانت محكومة بأمزجة متشابهة ضيقت من مساحة المختلَفات, وهذا ما دعانا إلى أن نسكن معاً في شقة واحدة بمنطقة (رخيتة) في منطقة تقع في منتصف المسافة بين الكرادة داخل والكرادة خارج, وكنا قد جئنا إلى بغداد من مدينة واحدة هي البصرة حيث وُلد وترعرع في قضاء أبي الخصيب وولدت أنا في ناحية المعقل ولم أغادرها إلا بعد أن بدأت دراستي في كلية طب الأسنان من جامعة بغداد, أما هو فاكتفى بشهادة معلم الإبتدائية لكي يتكفل بإعالة أهله, لكنه وهو الذي لم يكسبها عِلماً إلا أنه عوضها سياسةً حينما تهيأت له فرصة أن يتزعم منظمة الحزب في مدينة البصرة ولكي يُنقل منها إلى بغداد بعد أن جرى تعيينه في مكتب منظمات خارج الوطن في القيادة القومية للحزب.

وأعترف أنني كنت أكثر منه تهويناً للأمور حينما لا تعود هناك قدرة على تفسيرها بشكل سهل قبل أن يقتنع هو نفسه بأن الأمور قد تغيرت بشكل جوهري ليطلق جملته القصيرة البليغة المعبرة (كنا نشتغل معهم أما الآن فنحن نشتغل عندهم). وأعتقد أن مرحلة ما بعد عام 1973, أي عام القضاء على (الملا) عبدالخالق السامرائي هي التي وضعت النهاية الحقيقية لمرحلة ( نشتغل معهم) لكي تبدأ بعدها مرحلة (نشتغل عندهم) وليظهر بعد ذلك أن الحزب العقائدي قد بدأ جدياً مرحلة الخدمة لدى القبيلة وابنها الشاب صدام حسين الذي كان مؤمناً أن دولته لا يمكن أن تقوم إلا على جثة السامرائي نفسه. وأجزم أن ناظم كزار سرعان ما اكتشف أنه بات يعمل كرجل أمن لدى صدام والبكر بدلاً من أن يكون رجل أمن لدى الحزب ودولته وذلك ما دفعه إلى محاولة وقف هذا التحول المهين.
ما هو مهمٌ أن اذكره هنا أن العراق كان قد مرّ بحدثين كانا هما الأبرز في بداية السبعينات أولهما هو موقف نظامه البعثي الجديد من حدث أيلول في الأردن حيث وضعه ذلك الحدث وكما أسلفت في امتحان صعب كان النجاح فيه خسارة. أما الحدث الثاني الذي أفلح إلى حدٍ كبير في مساعدة السلطة البعثية على تجاوز ورطتها الأيلولية هو احتفاؤها المبالَغ فيه بالمصارع الأمريكي ذي الأصل العراقي عدنان القيسي الذي تحول العراق برمته إلى ساحة يخوض فيها هذا (البطل العراقي العظيم) معارك القضاء على خصومه الأقوياء من أجل الحفاظ على مكانته بطلاً للعالم في رياضة المصارعة الحرة.

وهكذا وبشكل يرقى إلى مستوى المعجزة استطاع (عدنان القيسي) المصارع الإستعراضي في حلبات (المصارعة البهلوانية) في الولايات المتحدة الأمريكية أن يمد يد العون والمساعدة إلى النظام العراقي الذي كان يحاول جهده العثور على الجسر الذي يعبر عليه إلى ضفة السلامة بعد أن تأكد للجميع أن (ثورية) النظام قد فشلت في أول امتحان لها.
وبشكل يرقى إلى المعجزة نسي العراقيون -عسكراً ومدنيين- موقف نظامهم المجروح في (أيلولهِ الأسود) وراحوا يهتفون لبطلهم عدنان الذي استطاع لوحده أن يُخرجهم من ساحة الهزيمة والتخاذل وينقذهم من تداعيات تلك الهزيمة على تكوينهم النفسي. أما أنا فأجزم أن نظامنا العتيد ما كان ممكناً له أن يعبِّر على أزمته الخانقة تلك لولا معجزة اسمها عدنان القيسي.
في ليلة تالية قلت لصاحبي كاظم جعفر البعثي المثالي حد الموت وبعد أنْ فكت الخمرة بعضاً من عقد الألسنة: أتعرف يا أبا جواد أنّ عدنان القيسي كان بمثابة (حلاوة التلهية) التي أنست العراقيين مرارة أيلول وسهلت عليهم بلع لقمته العاصية في جدار البلعوم.
نظر إليَّ الرجل، حتى لكأنّ الشرر يتطايرُ من عينيه، وقال: لو كان ما تقوله صحيحاً فأنا أعلن من مكاني هذا براءتي من حزب البعث والتخلي عن العمل السياسي, أو أن أتخلى عن صداقتي لك إلى الأبد في حالة تأكدي من خطأ قولك.
في مساء اليوم التالي دعانا صديق إلى وجبة عشاء في مطعم فاروق الذي كنت أسمع عنه بإعتباره أفضل مطاعم بغداد في تلك الفترة, وكانت تلك هي المرة الوحيدة التي دخلت فيها هذا المطعم الباهظ الثمن الذي لو أننا جمعنا مرتبيْنا, أنا وصديقي أبو جواد, لما شفع لنا مجموعه بارتياد ذلك المطعم سوى لمرتين أو ثلاث.
وبعد أن أجهزنا على محتويات الصحون التي مُدت أمامنا، أتيحت لأعيننا أن تتجول خارج مساحة تلك الصحون لكي نكون في مواجهة المشهد التالي :
كان عدنان القيسي يمشي بكل عضلاته المفتولة وقامته الرشيقة, بعده بخطواتٍ عدة كان صدام حسين يسير راضياً ومرتضياً للقيسي المصارع البهلواني أن يسير أمامه لكي يكون سيد تلك اللحظة العراقية التي كاد أيلول الأسود أن يأخذها إلى مأزقها الصعب, وأجزم أنها كانت اللحظة الوحيدة من زمنه آنذاك التي تنازل عنها صدام حسين عبوراً إلى اللحظة القادمة حيث ستكثر التنازلات وتتنوع.
أما (أبو جواد) الذي حضر ذلك المشهد معي فهو لم يبر بوعده : فلا هو تخلى عن حزب البعث ولا هو تخلى عني.





