العراق

   مؤيد سعيد..أسرار لم تُكشف من قبل  

     حكايات طويلة جمعتني بحكم عملي الصحفي ، مع الدكتور مؤيد سعيد الآثاري العراقي البارز الذي فعّلَ عمل الآثار العراقية بصورة استثنائية، خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ، وطيلة العقدين كان مثابراً جريئاً، و استاذاً محاضراً في قسم الآثار بكلية الآداب.  

    كنت أزوره بين يوم وآخر كصحافي مهتم بالمتحف و بالتاريخ والآثار العراقية ، أستمع اليه ليحدّثني عن عمل الفرق البحثية الاستكشافية والتنقيبية التي تزور العراق في عشرات المواقع العراقية التي تبلغ الآلاف، ولطالما اصطحبني مع تلك الفرق الأوربية واليابانية والكورية ،  لأكتب عن بابل وآشور والموصل و حضارة( أُوما ) المفقودة ، في ذي قار التي تسمى آثاريا المدينة الخامسة (أم العقارب) التي تُودع فيها العقود والوثائق العراقية القديمة، زمن السومريين وتقع بين العواصم الأربع سومر و أور وأريدو والوركاء.  

     ومرة أطلعني على سرِّ اكتشاف مدينة آشور بانيبال التي تقع في الموصل ، واصطحبني اليها حيث اكُتشف القصر الرئيس للملك آشور بانيبال ، تحت ضريح النبي يونس مباشرة، وكان الآثاريون في نينوى ينقّبون في العاصمة الآشورية بحكم عملهم اليومي من أجل استظهارها ، بغية التوصل إلى أقدم القصور الملكية في الموصل التي تعود للملك آشور بانيبال.

     يومها  كان الدكتور بهنام ابو الصوف مديراً لآثار الموصل، يمارس نشاطا مميزا في التنقيب هناك ، وقد أحْرَجت دائرة  الآثار والتراث في كشفها هذا،  زعامةَ الدولة العراقية، لأن استمرار التنقيب قد يؤدي إلى إسقاط المقام النبوي جراء الحفر ، للوصول إلى القصر الملكي ذي القيمة الأثرية الكبيرة.

    لهذا أمرت رئاسة الدولة بوقف عمليات التنقيب تحت المقام النبوي فوراً، وغلق الموقع إلى إشعار آخر ، مما استدعى طمْر “الثور المجنح” الذي يقف عند بوابة القصر المُسْتَظهر  من جديد خشية أنْ تثار ضجة شعبية في احتمال مرجح أن يسقط المقام.  

    ونتيجة لكل تلك التداعيات، أعيد غلق الموقع بإحكام بعد أنْ قطع الآثاريون شوطاً في استظهار القصر الآشوري،  بأمر رئاسة الدولة، الأمر الذي جعل مؤيد سعيد وآثاريي نينوى في موقف لا يحسدون عليه، وهم يرون جهودهم تُوارى الثرى، بأوامر عليا!.

   ومن الأسرار الأخرى التي أطلعني عليها الراحل الدكتور مؤيد سعيد أيضاً أصطحابي لغرفة في داخل المتحف الوطني العراقي ببغداد، ليريني مع نفر قليل من دائرته الثور المجنح المسروق من مدينة آشور ، الذي أحبطت اجهزة الدولة الأمنية محاولة تهريبه للخارج بعد أنْ قُطّع إلى 13 قطعة بمنشار خاص من قبل عصابة مؤلفة من 12 متورطاً ، يقودهم ضابط برتبة عقيد، فرّ عند اكتشاف الجريمة إلى الخارج. وكان تمثال ( الثور المجنح ) موجوداً في إحدى قاعات المتحف الخلفية.  

      حينها أكد لي الدكتور مؤيد سعيد صدور أمر بإعدام المتورطين بتقطيع التمثال جميعاً. أما الضابط الفارّ زعيم العصابة ، فقد صدر بحقه حكم غيابيّ بالإعدام.   

     بقي أنْ أقول: حين أنعمتُ النظر إلى “الثور المجنح”، وهو ملقىً على الأرض، متناثراً إلى قطع صغيرة ، آلمتني حالُهُ، فبكيت وبكى مؤيد سعيد، إذ كيفَ يجرؤ أحدٌ على ارتكاب جريمة اعتداء من هذا النوع، بتقطيع تمثال رافدينيّ بعمر ثلاثة آلاف عام، ومن قبل “عراقيين” مغرر بهم، بدافع الحصول على مبالغ تافهة. المسؤول الآثاري أخبرني أنّ أفراد العصابة المنظمة أعدموا جميعاً بقرار من رئيس الدولة، بعد اعترافهم بفعلهم المشين. رحم الله مؤيد سعيد الآثاري الفذ.

مقالات ذات صلة