فكر

عشرة لقاءاتٍ مع صدام حسين(8): ميثاق العمل القومي..

  قراءة في كواليس اجتماع سبق توقيع ميثاق 1978 الوحدوي بين سوريا والعراق. و اجتماع حزبي موسّع قبيل ولادة ميثاق العمل القومي
الدكتور جعفر المظفر كاتب سياسي ومفكر عراقي استطاع ان يثبت جدارة في تحليل الكثير من شخصية صدام حسين

    وكالعادة ضمَّ الاجتماع كوادر الحزب في الداخل العراقي إضافةً إلى أعضاء المكاتب القومية من العراقيين تحديداً, وكما كان متوقعاً ظهر أن صدام حسين هو الذي سيدير الإجتماع. جلسنا في القاعة ساعة وساعتين بانتظار اطلالة (السيد النائب).

     في تلك الفترة لم تكن اجراءات الحراسة والحماية الشديدة المبالغ فيها قد أُتُبِعت بعد, فلا تفتيشَ يدوياً أو التدقيق في المناطق الخاصة بعد نزع الملابس, ولا تعقيم اليدين, ولا تجميع الناس في سيارات مظلّلة والطواف بهم في بغداد قبل استقدامهم إلى أحد القصور الرئاسية, والسبب أن أحمد حسن البكر كان لا يزال هو الرئيس وكان على صدام أن يؤجل مظاهر “الفخفخة” التي تعدَّت كل ما اعتدنا أن نراه ملازماً للمرضى بداء السلطة.

   لم يكن البكر خالياً من الأخطاء والهفوات, لكن كثيراً من تلك الأخطاء ستتراجع بالحتم، حال مقارنتها بالسلوكيات المدانة لصدام التي جعلت كل الحكام الجائرين من قبله يبدون أقزاماً في حضرته. ولأنَّ البكر لم يكن قد أتقن فنون الفخفخة، لذا اضطُر صدام إلى تأجيل استعراضاته الذاتية لحين دخول العراق كاملاً في جيبه.

كان صدام حسين بوجود احمد حسن البكر رئيساً عاجزاً عن تجاوزه ولهذا أجل مظاهر الفخفخة التي تعدت كل حدود

    وفي كل الأحوال لم تكن طقوس الغطرسة غائبة عنه تماماً. أتذكر أننا دُعينا بداية عام 1969, بصفتنا أعضاء في المكتب التنفيذي للاتحاد الوطني لطلبة العراق, إلى حفل في القصر الجمهوري كان قد أقيم على شرف وفدٍ لبناني رأَسَه كمال جنبلاط. كان البكر رئيس الجمهورية جالساً يتحدث مع ضيوفه بلا مرافقين بينما كان صدام حسين يجلس بفخفخة المسؤول الذي يحاول أن يجذب أنظار المدعوين إليه، وخلفه وقف مرافقه صباح مرزا الذي كان قد منحه وقتها رتبة ملازم.

    الحق أن قدرة صدام على ضبط هوسه الاستعراضي كانت مستحيلة. في المجلس الوطني الذي دعينا للاجتماع فيه, حيث كان صدام يدير كيانه الموازي, كانت مظاهر التفخيم والتعظيم قد أخذت طريقها بشكل يجعلك تعتقد أن الرجل قد استقدم مخرجاً هوليودياً ليرسم له طرق بناء الشخصية الزعامية ولوازم التأثير.

     بعد دقائق من جلوسنا في قاعة المؤتمرات بانتظار إطلالته بدأنا نسمع صوت أحذية الجند تتعالى بوقعات تُنبِئنا أن الباب على وشك أن ينفتح أمام سيادته. بعد ذلك يتراجع وقع هذه الأقدام ويتلاشى, أما نحن فنعود من وضع التهيؤ للوقوف إلى وضع الجلوس خاشعين بانتظار مقدمه. وهكذا يتكرر الأمر حتى كأن الرجل كان يتدرب بنا عمداً ليُخضعنا نفسياً إلى خشيته ومهابته.

    ولست أتوهم إذا ما تصورته وهو يراقب مشهدنا من شاشة خاصة في مكتبه ثم يطلب من مرافقه أن يدير اللعبة عدة مرات حتى يتأكد أنها قد حققت أغراضها تماماً.

يعرض التقرير الكثير من الخفايا التي أفشل بها صدام حسين مشروع الوحدة بين العراق وسوريا عام 1978

     جلس (السيد النائب) لوحده على المنصة وبدأ يقرأ علينا مسودة الميثاق المقترح لإقامة دولة الوحدة بين العراق وسوريا, ثم طلب منا بعد أن فرغ من القراءة أن نبدي ملاحظاتنا, فلم يتقدم أي من الحاضرين بأية ملاحظة تأكيداً على موافقتهم على مشروع الوحدة بين الحزبين والبلدين. كان عدد الحاضرين أكثر من ثلائمائة وافق جميعهم إلا واحداً هو السيد (… الراوي) عضو قيادة أحد الفروع الحزبية الذي أظهر لوحده موقفاً معارضاً للوحدة بحجة أن من الصعب الوثوق بحافظ الأسد.

     لقد بدا موقف الراوي غريباً, لكن موقف صدام كان أكثر غرابة, فهو قد واصل قراءة مسودة الاتفاق دون أن يبدو عليه ما يُنبئ أنه يبطن غير ما يعلن. وقد أوحى موقفه المتماسك ذاك أنه مثلنا يتبنى كاملاً ذلك الميثاق في حين أنه كان يعد العدة للانقلاب على دولة الوحدة المقترحة التي تبيّن فيما بعد أنها تهدد مشروعه الرامي لبناء دولته, والتي كان قد قطع شوطاً دموياً من أجل بنائها.

     وكانت خطته المخفية أن ينقلب بشكل حاسم على مشروع دولة الوحدة من خلال الإطاحة بالبكر أولاً والاستيلاء بالقوة على موقع الرئاسة بحجة وجود مؤامرة سورية !!, ولكن الادعاء بأن حافظ الأسد هو الذي يقود المؤامرة كان في حقيقته ضرباً من المستحيل لكونه كان المنتفع الأول من قيام الوحدة لأنها ستساهم بحماية نظامه, في حين أنّ صدام كان المتضرر الأكبر منها لأنها كانت ستطيح بمشروع دولة العوجة.

ولم تمضِ سوى فترة قصيرة على ذلك الاجتماع حتى بدأت الأمور تتكشف وأصبح الطريق إلى (مجزرة) قاعة الخلد جاهزاً.

صورة لقاعة الخلد التي بدأ صدام حسين من ساحتها إعدامات رفاقه التي مهدت لدكتاتوريته

مقالات ذات صلة