فكر

عشرة لقاءات مع صدام حسين{3}قصة مدينتين..

    وافق عبدالخالق السامرائي على التقرير لكنه أشار بضرورة تغيير الكثير من مفردات بنائه الأدبي. ولي أن أشير هنا إلى ثلاثة كانوا لعبوا الدور الأبرز على صعيد بناء الإتحاد:

     (زهير يحيى) عضو المكتب الطلابي المركزي لم يكن بالإسم الذي يعبرالمرء عليه سريعاً. لقد كان نسخة ثانية من عبدالخالق السامرائي وكان عاشقاً له, والإثنان كانا تزوّجا الحزب ولم يكنْ لهما شاغلٌ آخر غيره. وكان زهير يرى في عبد الخالق السامرائي النموذج البعثي الذي يجب أن يحتذى به, مع احترامه الواضح لصدام وإعجابه به. وكان الرجل هو الذي رشحني لتسلم مهمة الثقافة والإعلام في الاتحاد ثم سعى أيضاً لتمتين علاقتي بالسامرائي الذي جعلني من حصته حينما حان أوان توزيع أعضاء المكتب التنفيذي حصصاً على مواقع أخرى. فتسلم كزار مهمته الأمنية بينما اختار صدام “صباح مرزا” مرافقاً أقدمَ له.

    الشخصية الثانية التي كانت مدعاة للاحترام والإعجاب هو رئيس المكتب التنفيذي الشاعر المعروف (حميد سعيد) الذي سيتسلم فيما بعد رئاسة تحرير صحيفة الثورة الناطقة باسم الحزب ثم منصب وكيل وزارة الثقافة والإعلام. وكانت دلالة وجوده على رأس الاتحاد تقديم المنظمة الطلابية بصيغ أكثر قبولاً على الساحة الطلابية التي كانت جزءاً من ساحةٍ سياسيةٍ متخاصمة القوى.

   (كريم الملا) المسؤول عن العلاقات الخارجية كان بوصلة الاتحاد في تلك الساحة الطلابية التي كانت تحاول إعادة إكتشاف نفسها. (كريم) الطالب وقتها في كلية الهندسة جامعة بغداد قضى فترة طالباً في ألمانيا, وذلك ما جعله مختلفاً عن جميع الناشطين البعثيين الحاملين لإرث الخصومات حتى مع وجود نيات طيبة للحوار مع الآخرين.

     بقولٍ آخر, كان (كريم بعثياً) من دون خصومات, أما رفاقه الآخرون فقد وجدوا أنفسهم عملياً في الساحة التي تشكل فيها فكرهم وسلوكهم المتعنت.

     نهاية عام 1969, وكنت قد عُيِّنت معيداً في كلية طب الأسنان مباشرة بعد تخرجي فيها, أخبرني زهير يحيى أن (عبدالخالق السامرائي) سوف يأخذني بنفسه لكي أتعرف على الدكتور (إلياس فرح) عضو القيادة القومية الذي سيكون مسؤولاً عن عملي في المكتب الثقافي للحزب حيث تقرر أن أتفرغ مساءً لعملي هناك.

     في الموعد المقرر جلس السامرائي إلى جوار سائقه عباس في (الكورولا) الصغيرة المخصصة له وجلست في الخلف منها, وما أن انقضت نصف ساعة حتى وجدتني أقف في مواجهة الدكتور (إلياس فرح) الذي كنت أحلم بالتعرف عليه. ربما كان الرجل أطول من المترِ ببضعة سنتميترات لكن اعجابي الكبير بثقافته جعله يبدو في نظري عملاقاً, أما المكان فقد كان مبنى القيادة القومية للحزب, وهو مبنى صغير من ثلاثة طوابق في كرادة مريم مقابل القصر الجمهوري.

      أول مهمة ثقافية لي كانت الذهاب مع السامرائي إلى شارع المتنبي لشراء الكتب التي سيتم تزويد مكتبة القيادة القومية بها والتي خُصصت لها أركانٌ واسعة في الغرفة الكبيرة التي حظي بها الدكتور إلياس فرح عضو القيادة القومية المسؤول حينها عن المكتب الثقافي. أما ثاني المهمات فهي الوقوف عصراً لترتيب تلك الكتب على رفوفها الفارغة قبل الذهاب إلى الغرفة المخصصة لي الكائنة إلى الجوار من غرفة الدكتور إلياس.

   وأما أول الضيوف فقد كان صدام حسين الشاب الوسيم الذي كان تقلد تواً منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة وقد جاء برفقة صاحبه في القيادة (كريم الشيخلي) إضافة إلى (جعفر العيد) عضو القيادة القطرية الاحتياط.

    سألني صدام أن أختار له كتاباً. أخبرني أنه يفضل أن يكون الكتاب قصةً تساعده على النوم وليس فكراً أو سياسة, على أن يعيده بعد أسبوع. مددت يدي إلى رفٍ من رفوف المكتبة الصغيرة وسلمته (قصة مدينتين).

قال كريم الشيخلي : ألم يطلب منك كتاباً غير سياسي أو فكري فلماذا اخترت له هذا الكتاب. ضحك العيد ضحكته المعروفة المجلجلة.

     بعدها, قتلَ الرفيق صدام رفيقه عبدالكريم. وقيل إنّ “جعفر العيد” لم يمت موت ربه بل مات بيد عبد ربه. كذلك قيل إنّ “زهير يحيى” قد انتحر حزناً على الغدر بمَثَلِه الأخلاقي الأعلى عبدالخالق السامرائي. ثم بعد عقود حظي صدام حسين بـ (شنقةٍ) صيّرته (شهيداً !). أما أنا فما زلت بانتظار (قصة مدينتين) التي كان استعارها مني صدام حسين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق