فكر

 عشرة لقاءاتٍ مع صدام حسين(7): قاعة الخلد المشؤومة!!

    حتى أولئك الذين أحبّوا صدام عن حق أو اتّبعوه عن منفعةٍ لا يستطيعون قبول الرواية التي تدين عبدالخالق السامرائي بدعوى التآمر على الحزب والسلطة. عضو القيادتين القومية والقطرية للحزب وعضو مجلس قيادة ثورة وأحد أبرز المفكرين العضويين في الحزب يُحكم بالإعدام دون أية محاكمة رسمية أو حزبية. إذن يا لحزبنا العقائدي المقدام المتمسك بمبدأ القيادة الجماعية والذي يَدّعي أن له نهجاً أخلاقياً لا يتزعزع ونظاماً داخلياً لا يهتز ودستوراً وقيماً تحرسه من الانحراف.

   كل أولئك الذين ذهبوا ضحيةً لسقطات صدام النرجسية وسلوكه الفصامي ستظل أسماؤهم محفوظة في الذاكرة, وبداية ملحوظة من الغدر بعبد الخالق السامرائي عام 1973 واتهامه بالتآمر على النظام دون دليل ملموس يؤكد على ذلك, ومن ثم إعدامه بدمٍ بارد عام 1979 مع شهداء قاعة الخلد الذين اتُهموا زوراً بمشاركة حافظ الأسد تآمره على الحزب بعد تمثيلية كانت كل فصولها مدعاة للسخرية.

    حتى كأن صديقي البيرقدار كان تنبأ بمجريات الصراع القادم. إذ لم تمضِ أكثر من سنة ونصف السنة على نبوءته تلك حتى أطيح بالسامرائي بتهمة المشاركة بمحاولة ناظم كزار الانقلابية. أما كزار فلم ينكر قيامه بالمحاولة. لقد كان شجاعاً بما فيه الكفاية لكي يعلن أنه قام بها لمنع تردي الأوضاع باتجاه قبلي وجهوي. وسأقول إن أولئك الذين يتصورون أن كزار راح ضحية لخدعة مزدوجة رسمها صدام، مخطئون لأنهم يقدمون لنا تفسيراً هوليبولودياً بامتياز. لقد فسروا الأمور على طريقة الأفلام الهندية حينما قالوا إنّ صدام هو الذي طلب من ناظم تنفيذ عملية اغتيال البكر في مطار بغداد.

    بالنسبة لهم بدا تفسير الأمر بسيطاً. صدام حسين كان نفدَ صبره ولم يعد يتحمل موقع الرجل الثاني. ولكي لا تتكرر (ردة تشرين) مرة أخرى، قرر استباق الأمر والإطاحة بعساكر الحزب بدعوى أن فريقاً منهم قد قتل الفريق الآخر. أما أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية فسيذهب ضحية لهذا الصراع المزدوج مستصحباً معه رجل الحزب الأقوى عبدالخالق السامرائي بدعوى أنه هو الذي كان قد خطط للتآمر وترأسَّه, وهكذا تتم الإطاحة بعصفورين بحجرٍ واحد.

    قطعاً لا يمكن نسيان أو تجاهل الطموحات الزعامية لصدام حسين التي دعته إلى قتل الكثير من رفاقه. لكن  كان من الواجب التفكير بالمناطق الرخوة التي تحملها خطة أصدقائنا البوليوديون. في عام 1973 لم يكن بوسع صدام أن يستغني عن البكر وكان التخلص من العسكريين المتنفذين قد تم بالتدريج وبمساعدة من البكر نفسه.

     أما عبدالخالق السامرائي فقد ذهب ضحية للفرصة التاريخية التي لا تتكرر. لقد كان الرجل شوكة في بلعوم الرجلين الحليفين بالدم والعصبية القبلية. ولو كان صدام حينها هو الذي خطط للتخلص من البكر لما أبقاه هذا الأخير يعمل إلى الجوار منه طيلة السنوات الست التي تلت محاولة ناظم الانقلابية ضد التحالف القبلي في الحزب. أما التخلص من البكر عام 1979 الذي كان فاتحة أيضاً للقضاء على المجموعة القيادية المشكوك بولائها المطلق للقائد الفرد والتي سميت بمجموعة قاعة الخلد فقد حصل بضغط من ظرف تاريخي قاهر لم يكن بالإمكان تلافيه دون الإدعاء بوجود تلك الكذبة المهزلة. حينها لم يكن بالإمكان السكوت على البكر الذي أخذته صحوة ضميره المتأخرة للتعاون مع عدو الأمس حافظ الأسد، إنْ لم يكن حباً بهدف الوحدة، فمن أجل التخلص من الطوق الذي أحكم صدام لفه حول عنقه.

     في قاعة الخلد وبعد الإعلان عن (مؤامرة) ناظم كزار دُعينا مرة أخرى للحضور في تلك القاعة المشؤومة. وكالعادة أخرج صدام حسين الذي ترأس ذلك الإجتماع, منديله من جيبه لكي يكفكف دموعه حينما أخبرنا بمشاركة عبدالخالق السامرائي تلك المؤامرة.     أما نحن الموتى الأحياء زومبيو المركزية الديمقراطية فلم نَستفِق من دهشتنا لأن أجهزة الاستشعار الإنسانية فينا كانت قد عطلتها الأيديولوجيات الثورية وقضى عليها وسخ نظريات عصر البطولة.

مقالات ذات صلة