أدب

“تجلّيات داخل حسن”.. أم شراكة الأحوال؟!

     حتى إذا: “مضى زمن وافترقنا.. / وفارَقنا.. / واغتربتُ.. / وما زلتُ ألقاهُ في ما يُغنّي.. / وما قال.. / واعتدتُ أن أتذكّره في مجالسِنا/ وأُحدِّثُ عنه مُحبّيه/ كان ومازال يصحبُنا في الليالي.. / ونصحبُه في تجلّي مواويلِه/ وبهاء الغناءْ”، حسب المتلقي ـ وهذا ما عنَّ لي شخصياً ـ القصيدة انتهت، لكنها ـ عندي ـ بدأت من حيث صار تذكُّر المغني في مجالس الشاعر مع محبّيه ـ هو والمغنّي معاً ـ دال انتزاع لسويعات زهو وتشبث بالحياة في أوج الوحدة والوحشة التي رانت على البشر في ظل ظروف مِحنهم وقهرهم، ومنهم شاعرنا الذي طالت عليه وثقلت متاعب الغربة ومصاعبها، ولم يبق له إلا اللجوء إلى ذاكرته المعافاة، التي طالما استخرج منها أو استعاد أسباب حيويته الإنسانية، وصار استماعه إلى (داخل حسن) هنا وإلى غيره في قصائد له سابقة، خير مَعين لاستجلاب طراوتها كلما أحسّ بالجفاف، ومُعين على تحمُّل أعبائها الثقيلة وإبعادها عن كاهله.

     فإذا ما عدتُ إلى مفتتح القصيدة؛ سأكون كأي متلقٍّ لثيمتها: “بين حنجرةٍ من حرير/ وسَيلٍ من الجمر/، ويا لها من مفارقة جمعت بين هذه الحنجرة الشفيفة كالحرير والنار السائلة بحِممها سيلان ما تطلقه فوّهات البراكين، بمدلول عنفوان وشدة لهب أكبر مما تطلقه نيران الكوانين، وهي مفارقة ستلتقي “في المواويل” التي عُرف المغني بشدوها الجميل الساحر، ومعها سينبجس حزن المغني والشاعر تحديداً، ولأقُل أي مستمع للأول والعارف القريب من الثاني، وقد توحدا ليكون الأول “الحزين” الذي يتعلّم الثاني منه ـ مثلما ذكر في القصيدة ـ الغناء، ولا أظنه وقد كرر مفردة (الغناء) يعنيه وحده، بل معه الارتباط الوثيق بالحزن، لتتساوى كفّتَيْ ميزان الاثنين، في عشقهما “لغائبة/ سيمُرّ به حين يغفو شذاها/ ويصحو/ على أنها لم تعد تستجيبُ.. / إذا ما دعاها”(!). وسيقول الشاعر ـ نيابةً عن المغنّي ـ بالحتم ما عنَّ له هو لا ما كان سيقوله المغني لو كان حيّاً: “عسى أن أراها”(!!) فما أشد وجعه من حال قريب من اليأس لحيٍّ يتنفس.

     ولا يكتفي الشاعر بهذا؛ بل سيضع نفسه في كفّة الميزان بمقابل كفّة المغنّي، فيقول بعد سطري نقاط دالَّين على كثير مما تجاوزه ولا شك، أنهك “كان يصطحب الحزنَ حيث يكونُ/ ويحكي لمَن معه عن زمانٍ.. / تفتّح فيه وردُ صباه.. / فغنّى../ لمَن شاركته الجموحَ الجميلَ/ وظلّ اسمُها حاضراً في لياليه/ من كرخ بغدادَ حتى حلبْ/ في ليالي الطربْ”(!) فهل نجِدُنا لحظتئذ أمام ذلك الـ (داخل حسن) العابر بروحه إلى مدينته (الناصرية)؟ أم أمام حميد سعيد المقيمة بغداد أو الحلّة ـ لا فرق ـ في شرايين قلبه لم تغادره في مختلف المدن التي سكن أو مرّ بها، والأزمنة التي عاشها ويعيشها ـ له موفور السلامة ـ حتى الآن؟! إنهما كلاهما هما معاً، وكلاهما قال وسيظل يقول لمدينة صِباه ونهرها وضفافها/ الملاذ: “أنتِ المُنى والطلب”، مستعيرَين من ذلك الشاعر شيخ الأزهر عبد الله الشبراوي مطلع قصيدته المغناة: (وحقِّك أنتَ المنى والطلب/ وأنتَ المُراد وأنتَ الأرب).

مقالات ذات صلة