فكر

بعد تموز عام 1958 .. هذا ما حدث..(1)

       بدلاً من أنْ يتعامل الشيوعيون مع معادلة الولاء التي تجمعهم مع نظام الزعيم بأقصى قدرٍ من الحساسية، فإنَّ غرورهم بشعبيتهم الكبيرة كان قد انتقل بهم إلى مساحة التعامل الِندّي مع سلطة الزعيم وبالطريقة التي راحت تُهدّد بسحب رباط التحالف بين الطرفين. لقد شعر قاسم أنّ الشيوعيين سيشكّلون خطراً حقيقياً عليه بعد أن تتم إزاحة التيار القومي المناوئ لنظامه، أو إضعافُه، فتختل بذلك معادلة التوازن بين التيارين الأقوى والتي كانت تشتغل لصالح زعامته. 

    واقع الحال، لقد كان صعباً على العامّة من الناس في السنتين اللّتين تلتا انهيار النظام الملكي أنْ تتحسس الفرق بين الطرفين. وقد استفاد الشيوعيون من هذا “التداخل” و”التفاعل” بينهم وبين شعبية الزعيم حيث صار بإمكانهم كسب نسبة كبيرة من تلك العامّة، التي لم تُحسنَ التمييز وقتها, وصار من اهتمام الزعيم بعدها، كيفية إعادة التوازن بين التيارين, بعد أن تم له ترويضهما, فخفّف بعض الشيء من عدائيته للتيار القومي, متوِّجاً خطواته تلك بالعفو عن عبدالسلام عارف الذي كان قد اتهمه بمحاولة قتله، كما وأصدر عفواً عن الفريق البعثي الذي حاول اغتياله في شارع الرشيد, بعد إقدامه على إعدام ثلة من العسكريين القوميين الكبار المتهمين بموالاة الحركة التي قادها العقيد الشواف ضد نظامه في مدينة الموصل.


      كان إعدام أولئك الضباط الكبار الذي تقدَّمهم الزعيم الركن ناظم الطبقجلي واحدة من الأخطاء الكبيرة التي إرتكبها قاسم حيث كان بإمكانه على الأقل تأجيل التنفيذ إلى أجل غير مسمى, وليتحرك سياسياً تحت ذلك الغطاء لإعادة ترتيب ساحة الولاءات والخصومات, غير أن تضخم عقدة الذات لدى قاسم بعد أن ساهم الشيوعيون بالدور الأبرز في النفخ بها, وذلك كـ”عربون” للتقرب منه أولاً, وبهدف الوصول السلس والناعم لمشاركته السلطة ثانياً, مبتدئين بالتركيز على فرديّتهِ كزعيم أوحد للعراق (الزعيم الأوحد) وصولاً إلى شعارهم الذي تحوَّل إلى أغنية يومية (عاش زعيمي عبدالكريمي حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي).
     إنَّ من المهم حتماً تحديد البادئ بالصراع على مستوى القتل والسحل في الشوارع. كان الشيوعيون هم الذين بدأوا دورة العنف الدموي آنذاك. لقد حسبوها فرصة غير قابلة للتكرار وذلك للقضاء المبرم على خصومهم القوميين والبعثيين الذين كانت قد ضمتهم معهما جبهة واحدة وذلك في السنة الأخيرة قبل انقلاب تموز الدامي ضد الملكية, وموجهين إلى قاسم هتافهم اليومي المعروف آنذاك (إعدم إعدم لا تكول “أي لا تقل”, ما عندي وقت إعدم إعدم).
      أما الزعيم، ففي وسط غيابه بملحمة تعظيم الذات التي ساهم المغنّون والشعراء والكتاب كالعادة في تفخيمها، رأى أيضاً في تلك (الفوضى الدموية الخلاقة !) فرصة لإعادة ترتيب ميزان القوى ومواقع الخصوم, فهو من ناحية كان شجع الشيوعيين على الإغراق في دورة العنف وتغاضى عن الكثير من الجرائم التي ارتكبوها في مناطق متفرقة من العراق ولم يتخذ بحقهم إجراءات قانونية رادعة, لا بل، سمح لهم بتسيير قطارهم الملئ المشحون بالعداء نحو مدينة الموصل المعروفة بنزعتها العروبية والدينية المعادية للشيوعية والشيوعيين.


      وآه, ويا أسفاه على الشعارات في تلك المرحلة، فالقطار الذي كان قد تحرك باسم (قطار السلام) والذي ضم (أنصار السلام) الذاهبين لإقامة (مهرجان السلام) في الموصل, كانوا في الحقيقة أبعد الناس عن (السلام السلام !), وبدلاً من أن يذهبوا إلى هناك وفي أيديهم الحمامات البيض فقد ذهبوا وبأيديهم (حبال السلام) التي تم نصبها لشنق الخصوم فارتكبوا المجزرة الشنيعة التي سحلوا من خلالها العديد من الضحايا. وفي واحدة من أبشع الجرائم تم تعليق بعض الضحايا على أعمدة الكهرباء ومنهم الشهيدة (حفصة العمري).
      ولم تنجُ مدينة كركوك من تلك المجزرة، إذ شارك الشيوعيون حلفاءَهم من مجموعة الكرد البارزانيين، بقتل وسحل العديد من الضحايا الذين كانوا في غالبيتهم من التركمان وذلك تنفيذاً لأحقاد زرعها الصراع المبيت على هوية المدينة النفطية لكونها تشكل العصب الشرياني للدولة الكردية المستقلة التي يقاتل الأكراد من أجل قيامها ويعتبرونها قدس أقداسهم, حتى إذا فاحت رائحة بقايا الجثث المسحولة بالحبال وتفسخت جثث المعلقين على أعمدة الكهرباء, ورآها العالم واحتج وقَرِف, أعلن قاسم إدانته لتلك الجرائم الشنيعة, ورأيناه أثناء افتتاحه لكنيسة مار يوسف في الكرادة يدين مرتكبيها تحت تسمية (الفوضويين).

   لكنّ الشارع العراقي لم يجد صعوبة في تفسير من كان المقصود بتلك الكلمة, وقد أدت تلك الأعمال الوحشية وإدانة قاسم لها إلى الحد من نفوذ الشيوعيين وإلى انحسار نفوذهم بعد أن تبين للفقراء من الشيعة المسافة الفاصلة بين الزعيم وبين الشيوعيين.
الواقع أن الشيوعيين هم من بدأ حفلات الانتقام الجسدي ضد البعثيين والقوميين لكن هؤلاء الأخيرين لم يكونوا أبرياء من المشاركة فيها حتى بدا أقطاب ذلك الصدام وكأنه مثلث بثلاثة رؤوس, فالبعثيون والقوميون وعلى رأسهم عبدالسلام عارف كانوا هم الذين قصوا شريط النزاع حينما طالبوا بإقامة الوحدة الفورية مع جمهورية عبدالناصر التي كان قد أفلح قبل عام بإقامتها بين سوريا ومصر, ورغم أن رد الفعل الشيوعي كان عنيفاً فإن من العدل الاعتقاد أن الشيوعيين ما كانوا ليقدموا على تلك الجرائم لولا إحساسهم بخطر التيار القومي على الجمهورية التي كانوا قد إلتصقوا بها لأنها أنهت السلطة الملكية المناوئة لهم سواءً على المستوى المحلي أو على مستوى التناقض مع المعسكر الشيوعي, لعمالة تلك السلطة للغرب وقبولها أن تكون إحدى أهم رؤوس الحراب ضد السوفيت وزعامة عبدالناصر العروبية.

مقالات ذات صلة