تحقيق

أربعة صحفيين والمصير واحد..

هؤلاء أربعة صحفيين ، ثلاثة منهم رؤساء تحرير ، والرابع قلمٌ صحفي دائمُ العطاءِ، عندما كان يناضل  من أجل مبادىء مقتنع بها 

 ثلاثة منهم عرب والرابع كردي عملوا طويلاً في الصحافة العراقية من البصرة في جنوب العراق إلى بغداد ثم الى أربيل في شمال البلاد،

لم ألتق أياً منهم، ولكنّي لابدَّ من  أني رأيتهم في مناسبات مختلفة وبالتأكيد قرأت لهم في مطبوعات نشروا فيها.

     ويتساءل المرءُ ، هل تصل القسوة بالمرء الى الحد الذي يُحرَم فيه الأبناء والأحفاد من قبر يزورونه في الأعياد لقراءة الفاتحة؟.

أحدهم كان نقيباً للصحفيين والثلاثة الآخرون كانوا أعضاءَ عاملين في نقابةٍ لم تكن تقوى على الدفاع عن حقوق أعضائها ضد آلة القمع والموت.

     إنّهم  الصحفيون; عبد العزيز بركات، دارا توفيق، صفاء الحافظ، وصباح الدرة، يرحمهم الله جميعاً، وكلهم غابوا في ظروف متشابهة لكن بسبب يختلف من واحد إلى آخر.

    ولد عبد العزيز بركات في مدينة البصرة وقيل إنّه ربما يكون قد ولد في قضاء “أبو الخصيب”، عام 1921 ودرس في مدارس البصرة ، وينتسب لعائلة من السادة وملاك الأراضي، ودخل الحياة الصحفية مبكراً في البصرة قبل أن ينتقل إلى بغداد ليتصدّر المشهد الصحفي صاحباً لجريدة سياسية يومية  اشتغل فيها صحفيون مرموقون في تاريخ الصحافة من فيصل حسون وصادق الأزدي ومحمد حامد لتصبح أكبر الصحف العراقية وأكثرها توزيعاً.

     انضم عبد العزيز بركات إلى حزب الاستقلال عام 1948، وامتهن الصحافة مبكراً حينما أصبح مديراً لتحرير جريدة آخر الأنباء التي أصدرتها السيدة فاطمة حسين والتي اتفقت مع بركات على أنْ تكون الجريدة لسان حال الحزب في البصرة.

    لكنّ عبد العزيز بركات ودون أنْ توضح لنا حقائق التاريخ انتقل عام 1948 ليتولى إدارة جريدته الخاصة ، البريد ،وتبرع عام 1964 بامتيازها لشقيقه رجب بركات.

    ولما أصدر عبد القادر السياب جريدة “الناس” في البصرة انضم عبد العزيز بركات إليها لكن إختلف لاحقاً  مع السياب فأصدر جريدته الخاصة المنار في البصرة وهي التي نقلها الى بغداد عام 1964.

    ونجح بركات في انتخابه نقيباً للصحفيين في دورتين هما عام 1967 وعام 1968، وشارك بوفد صحفي عراقي في المؤتمر الثاني لإتحاد الصحفيين العرب الذي عقد بالقاهرة في شباط 1968 وانتخب عضواً في المكتب الدائم للاتحاد.

     وفي كانون الأول عام 1967 داهمه قانون تنظيم الصحافة الذي ألغى جميع الصحف وحصر إصدار الصحف وطباعتها بالدولة لذلك أجبر نقيب الصحفيين على وقف إصدار جريدته اليومية “المنار” حتى تمكن من إصدارها أسبوعية فقط ، وهو ما واصله حتى 19 مايس عام 1969 حينما اعتقلته وحدة من المخابرات العامة وأودعته معتقل قصر النهاية. 

     وبعد يومين اتصل بزوجته هاتفياً، أي سمح جلّادوه له بالإتصال بعائلته ، ومنذئذ لم يُسمع له صوتٌ، وحجز مجلس قيادة الثورة أمواله المنقولة وغير المنقولة.

     وكالعادة أصبحت محنة عبد العزيز بركات فرصة المزايدة بين أشخاص استثمروها فمنهم  مثل حسن العلوي من ادعى أن زوجته زارته في دائرته لتقصي الحقائق أو أنَّ آخر يزعم انه كان في المعتقل وشاهد تعذيبه، ولكن الحقيقة لم تعرف.

   وكما هو الحال مع جرائم مماثلة لم تسفر التحقيقات ما بعد الاحتلال عام 2003 عن الكشف عن أية ملفات عن مصير عبد العزيز بركات.

       دارا توفيق 

    هذا صحفي كردي اشتغل رئيساً لتحرير جريدة “التآخي” عندما أصبح مؤسسها صالح اليوسفي وزيراً في الحكومة العراقية عقب اتفاق 11 آذار عام 1970.

     ولد دارا توفيق في مدينة السليمانية في نيسان عام 1932 ودرس في مدارسها ثم التحق بكلية الهندسة في بغداد لكنها فصلته بسبب نشاطاته السياسية حينما كان ناشطاً شيوعياً .

    وفي عام 1952 سافر الى انكلترا فحصل على بكلوريوس في الهندسة المدنية سوية مع زميله سامي عبد الرحمن وساهم في عقد المؤتمر الاول لجمعية الطلبة الأكراد في أوروبا عام 1956 ثم أصبح عضواً في سكرتارية اتحاد الشبيبة الديموقراطية العالمي.

   وبقي دارا توفيق عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقية حتى عام 1962 عندما اختار الوقوف الى جانب الحركة الكردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني ضد حكومة عبد الكريم قاسم التي كان الحزب الشيوعي من أنصارها.

    وتدرج دارا توفيق في مستويات الحزب الديموقراطي الكردستاني حتى أصبح عضواً في اللجنة المركزية وشارك في جميع جلسات المفاوضات مع الحكومة البعثية التي أدّت إلى اتفاق آذار عام 1970. وليس معروفاً متى تمكن دارا توفيق من دراسة القانون في كلية الحقوق بالجامعة المستنصرية.

     وعندما إختارت القيادة الكردية صالح اليوسفي ليصبح وزيراً في الحكومة العراقية فقد خلفه دارا توفيق في رئاسة تحرير جريدة التآخي وكان حينه عضواً في المكتب السياسي ، وبقي فيها حتى توقفت عن الصدور بعد تدعوا العلاقات بين الحكومة المركزية والقيادة الكردية عام 1974.

      لكن دارا لم يتوارَ عن الأنظار أو يلتحق بشمال العراق ، وقد عيّنته الحكومة بوظيفة مدير بلدية الكوت ثم وظيفة المدير العام للمنشأة العامة للنقل النهري  وحتى 5 تشرين الثاني عام 1980 حينما اعتقلته أجهزة الأمن من مكتبه ولم يعرف مصيره ولم يعثر على أثرٍ له حتى اليوم.

          الدكتور صفاء الحافظ 

     وهذه قصة أخرى لصحفي  ذهب ولم يعد!

وهو الدكتور صفاء الحافظ من مواليد شهر آب عام 1923 بمدينة هيت بمحافظة الأنبار من أب هيتاوي كان يعمل بمحكمة المدينة.

ولما توفي والده بعد أربع سنوات من ولادته تكفل عمه أحمد الحافظ بتربيته وشقيقه عدنان الذي كان بعمر سنة واحدة.

   ونقل العم الطفلين الى مدينة الحلة حيث كان يعمل، ودرس صفاء في مدارسها ثم انتقل الى بغداد عند خالته ليكمل دراسته الجامعية فحصل عام 1946 على بكلوريوس كلية الحقوق .

     وأوفدته الدولة لتفوقه في بعثة دراسية على نفقتها  في فرنسا وحصل من جامعة السوربون على شهادتي ماجستير في القانون والاقتصاد ثم على شهادة الدكتوراه في القانون الدولي. عاد الى العراق عام 1953 وأصبح مدرساً للقانون الدولي بكلية الحقوق ببغداد واعتقلته سلطات الأمن وهو يستعد للترشيح للانتخابات النيابية عن منطقة باب الشيخ .

    آنذاك منتصف عقد الخمسينيات من القرن العشرين أصبح صفاء الحافظ أكثر نشاطاً في الحياة السياسية والصحفية في إطلاق إحدى أشهر المجلات الثقافية العراقية “الثقافة الجديدة”!

   وهكذا أصدر نوري السعيد عام 1954 مرسوماً بإسقاط الجنسية عن ستة  من المثقفين العراقية وكانوا محمد مهدي الجواهري وعزيز شريف وتوفيق منير وصفاء الحافظ وعدنان الراوي وكامل قزانجي وكان جميعهم آنذاك خارج العراق. وتردد صفاء الحافظ على سوريا ولبنان وفرنسا ووجد عملاً في جريدة سورية .

     ويظهر إسقاط الجنسية عن صفاء الحافظ عبثية الحكومة التي صرفت الاموال على طالب متفوق ليحصل على شهادة الدكتوراه من فرنسا ثم تسقط الجنسية عنه لمجرد انها لا تحب أفكاره السياسية 

بعد ثورة تموز عام 1958 عاد الى العراق واعيدت له جنسيته العراقية وعاد للتدريس في كلية الحقوق وحتى 8 شباط عام 1963 حين أفلت بنجاح من الاعتقال وتوارى عن الانظار للسنوات الخمس التالية. وكانت سلطات وزارة الداخلية عام 1963 قد أسقطت الجنسية عنه مرة ثانية، بعدها أعيد الى الوظيفة وأصبح يعيش في العلن وسكن في منطقة الداوودي في المنصور هو وزوجته وأولاده، وبقى استاذ في الجامعة كلية الحقوق.

    وعندما أغلق الحزب الشيوعي مقره في ساحة عقبة بن نافع ، أصبح مقر طريق الشعب ما يمكن تسميته مقراً بديلاً يتردد عليه من تبقى من قادة وكوادر الحزب في العراق بعد أن غادرت قياداته بالتتابع الى خارج العراق براً وجواً عبر مطار بغداد.

     وتروي مقالة نشرها موقع شهادات الإلكتروني الأيام الأخيرة لجريدة طريق الشعب وتقول إنه بنهاية عام 1979 لم يكن بالإمكان إصدار الجريدة ولم يبق من العاملين فيها سوى اثنين أو ثلاثة وتحديداً الدكتورة سلوى زكو وفاضل الربيعي وكلاهما من كوادر الحزب الصحفية.

     وتعرض المقالة التي يبدو أن فاضل الربيعي هو الذي كتبها أن الدكتور صفاء الحافظ وصباح الدرة دخلا في أحد الأيام الى مكاتب الجريدة ولم يجدا سوى سلوى وفاضل فطلب الحافظ منهم غلق الجريدة والمغادرة فوراً.

   واستعداداً للمغادرة قام الربيعي بمراجعة مكاتب الجريدة وتفتيش محتويات أدراجها ولما وصل الى مكتب مدير التحرير فخري كريم وجد فيه محاضر اجتماعات اللجنة المركزية بكل ما تحتويه من أسرار حزبية ثم قام بإتلافها.

    ولم يكن صفاء الحافظ وصباح الدرة قد تواريا عن الأنظار بعد،  فاعتقلتهم السلطات الأمنية ، وحتى اليوم ونحن في العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين لم يعرف لهما أي أثر ، ولا أدري إنْ تمكنت  الحكومة العراقية والحزب الشيوعي بعد الاحتلال الامريكي، قد عثرت على أثره في ملفات أجهزة الدولة التي جرى الاستيلاء عليها بعد الاحتلال.

     وعادت جريدة طريق الشعب الى الأسواق بعد الاحتلال لكن مستواها الصحفي لم يكن بمستوى تلك الجريدة التي كانت تصدر في السبعينيات ولم يعد القراء يقبلون سوى إقبال الحزبين الشيوعيين.

ففي الرابع من شباط عام 1980 كان الدكتور صفاء الحافظ يقوم بتوصيل زوجته الى مقر عملها في شارع الرشيد اعترضته سيارة المخابرات واعتقلته ، بينما اعتقل صباح الدرة في نفس الوقت شباط 1980 وقيل ان ملفيهما لدى سلطات ألأمن العراقية قد عثر عليهما بعد الاحتلال عام 2003  عن كتاب رسمي يطلب من محكمة الثورة الحكم بالإعدام .

    ولكن تبقى تلك مجرد أقاويل لم تثبت صحتها بنشر صورة للكتاب الرسمي المزعوم  ولا رقمه وتاريخه ، بل قيل إنْ المخابرات هي التي اعتقلتهما، وهذه المزاعم تقول إنها سلطات الأمن العامة.

    ومن الثابت أنّ صفاء الحافظ وصباح الدرة كانا معتقلين لدى الأمن العامة في آب 1979 وأطلق سراحهما ليعاد اعتقالهما بعد ستة شهور وتحديداً في نيسان 1980 من جهة أمنية أخرى يعتقد أنها المخابرات.

وليس معروفاً أسباب عدم تواريهما عن الأنظار وبقيا يمارسان حياتهما بصورة عادية.

     وحتى هذا اليوم ونحن في العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين لم يعرف عنهما شيءً وكيف ماتا ومتى .

    ويتساءل المرء عن الأسباب القاهرة التي أبقت صفاء الحافظ ورفيقه صباح الدرة في بغداد ولم يتواريا عن الأنظار ؟ 

    أو لماذا لم يلتحقا بالمغادرين الى خارج العراق مع أنه كان بإمكانهما السفر بسهولة الى شمال العراق كما فعل قادة كثيرون من الحزب وبينهم عريز محمد؟

    ربما أبقاهما الحزب في بغداد لديمومة التنظيم الحزبي ؟

ولكن لماذا لم يتواريا عن الأنظار وبقيا يمارسان حياتهما العادية ويلتقيان ، بل ويقومان بواجباتهما العائلية علناً ؟. في هذا الوقت كانت أجهزة الأمن والمخابرات العراقية تحصي أنفاس الشيوعيين وتضييق الخناق عليهم وتختطف وتعتقل الناشطين منهم رجالاً ونساء من الشوارع والمدارس والكليات والدوائر الرسمية.

     صباح الدرة 

     تخلو المصادر الشيوعية التي أشارت الى صباح الدورة من تفاصيل سيرة حياته ربما بسبب استذكارها له في إطار عام ضمن استذكار ضحايا الحزب. او ربما بسبب ملازمة استذكاره مع استذكار الدكتور صفاء الحافظ.

     كان البحث عن سيرة حياة صباح الدرة صعباً بعض الشيء وكنت أنوي أن اربط سيرة حياته مع حديثي  عن سيرة صفاء الحافظ. ولد صباح الدرة في بغداد عام 1934، تخرج في كلية تجارة بغداد عام 1953، بدأ نشاطه السياسي وهو في الجامعة، وبسبب من ذلك حكم عليه النظام الملكي بالسجن لمدة سنتين.

     وفي بداية الستينات غادر الى ألمانيا لإكمال دراسته العليا، وواصل نشاطه السياسي ضمن جمعية الطلبة العراقيين، وعمل في سكرتارية اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي ، عاد الى العراق عام 1966، وعين في شركة الزيوت النباتية، وفي عام 1973 عين أستاذاً في الجامعة المستنصرية لفترة قصيرة، بعدها نقل موظفاً في وزارة التجارة.

خلال السبعينيات عمل في مجال العلاقات الوطنية واللجنة الاقتصادية الحزبية. وبعد إعلان الجبهه مع حزب البعث، أصبح أحد ممثليه في لجنة الجبهة بالعاصمة بغداد .

      وهو عموما أحد الكوادر الحزبية عضواً في أحد المكاتب المرتبطة باللجنة المركزية. وقصة اعتقاله وفقدان أثره هي نفسها  بالضبط القصة التي أشرنا اليها في السطور السابقة بشأن أختطاف واختفاء صفاء الحافظ.

مقالات ذات صلة