عشرة لقاءات مع صدام حسين (4): “أيلول الأسود”..




لم يُقَّدر لي آنذاك زيارة الأردن لكي أطلع بشكل مباشر على الحالة التي دعت إلى ذلك الصدام, لكن تجربتي على الساحة اللبنانية جعلتني على تماس مباشر مع الكثير من المشاهد التي أدت بعد سنوات إلى انفجار الحرب بين القوى اللبنانية من جهة والوجود الفلسطيني المسلح على أراضيها.
مع الساحة اللبنانية كنت مكلفاً بالتنسيق مع منظمة الحزب في لبنان بقيادة (بشارة مرهج ) وبشكل خاص مع المكتب الطلابي المركزي المسؤول عن إعادة تنشيط المنطمة الطلابية الواجهية للحزب والتي كانت تعمل تحت إسم كفاح الطلبة.
معنى ذلك أنني كنت مسؤولاً عن التنسيق بين المكتب الطلابي القومي في بغداد وبين المكتب القطري في لبنان وكان ذلك قد فرض علي شخصياً المكوث لعدة فترات في لبنان قضيت معظمها في مقر قيادة الحزب القطرية كما وتواجدت أيضاً في مقر جبهة التحرير العربية في النصف الثاني من سبعينيات القرن المنصرم وذلك لوجود علاقة صداقة بيني وين أمينها العام (عبدالرحيم أحمد ) الذي لم ينسَ هذه الصداقة فزارني بعد فصلي من الحزب وبيده شريط صوتي لقصيدة الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش (مديح الظل العالي) التي ألقاها في المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي كان قد انعقد في تونس بعد انسحاب المقاومة من لبنان على أثر الغزو الإسرائيلي وحصار بيروت عام 1982.

الذي استطيع أن أقوله على عجالة أن المقاومة الفلسطينية في الحالتين الأردنية أولاً واللبنانية ثانياً قد وقعت في نفس الأخطاء الكبيرة التي قادتها للدخول في ساحة الصراع على المصير بينها وبين الدولتين المذكورتين حتى كأنها سلبت من حكومة البلدين حقهما في إدارة شؤون بلديهما.
نعود إلى الأردن وبالضبط في السبعين من القرن الماضي وفي شهر أيلول بالذات حيث انفجر الصراع بين المقاومة الفلسطينية وبين الدولة الأردنية ودخول الطرفين في مواجهة خيار (إما أنا وإما أنا). وقتها كانت قوات من الجيش العراقي قد وُجِدتْ بالأصل بقرار من القمة العربية التي انعقدت في أعقاب هزيمة حزيران وذلك لمساندة الجيش الأردني في مواجهة إسرائيل.
الموقف الذي وجدت حكومة البعث نفسها في مواجهته كان شديد الحرج. التعاطف الجماهيري العراقي مع المقاومة الفلسطينية قد جعله أمام امتحان صعب للغاية وقد شكل التعاطف البعثي الجماهيري مع حركة المقاومة ضغطاً هائلاً باتجاه التدخل لصالح المقاومة. وكان ذلك يعني التدخل العسكري ضد النظام الأردني الذي وجدَ اصلاً لحمايته. وكان البعثيون قد اعتقدوا أن جيشهم سيتدخل لصالح المقاومة لا محالة وانعكس ذلك الموقف على قيادة الحزب نفسه حيث دعا قسم منها إلى ضرورة انحياز الجيش العراقي لصالح الفلسطينيين في القتال الذي راح يدور بينهم وبين النظام الأردني في حين دعا القسم الآخر منهم إلى الوقوف على الحياد.

كانت المفاجأة أنّ صدام حسين وعلى عكس ما عرف عنه كعنصر صدامي هو الذي دعا إلى اتخاذ موقف الحياد, أي أنه كان سياسياً أكثر من الآخرين, ولو أنه استمر في ذلك لتراجعت فرص الفواجع التي أحاطت بالشعب العراقي يوم تهيأت له فرصة الهيمنة على النظام البعثي.
في قاعة الخلد حيث دعت القيادة إلى أن يقدم صدام قناعاته السياسية بشأن الموقف من تدخل الجيش العراقي في أحداث أيلول الأسود, كان موقفه مفاجئاً لي لما عرفت عنه من ميول لحسم المواقف بالعنف. لقد بدا لي أكثر معقولية من القياديين الآخرين فها هو أمامي وهو يدعو إلى اتخاذ موقف الحياد بدلاً من التدخل لصالح المقاومة. وأجزم أن كثيراً من البعثيين الموجودين حينها في قاعة الخلد, وكنت قد حضرت الندوة بصفتي متفرغاً للمكتبين القوميين الثقافي والطلابي, فوجئوا بالرجل حينما وجدوه الشخصية الأفضل سياسياً للتعامل مع ذلك الموقف الذي كنت من أنصاره, وكان ذلك على عكس المتصور عنه تماماً.





