تحليل سياسي

    تحليل: عسكرة التفاوض غالباً ما تُفشل أي فرصة حقيقية للتسوية..

     إنّ إرسال آلاف الجنود الإضافيين إلى الشرق الأوسط، مع التلويح بفرض حصار بحري على إيران، يكشف بوضوح أن واشنطن لا تسعى فقط إلى احتواء الأزمة، بل إلى إعادة تشكيلها وفق شروطها، حتى  لو كان الثمن دفع المنطقة إلى حافة انفجار جديد.!

     الإدارة الأمريكية تتحدث عن “الضغط من أجل صفقة”، لكن الوقائع تكشف عن أشياء أخرى: تصعيد عسكري متدرّج، تهديدات مفتوحة، واستعداد لخيارات أكثر عنفاً إذا لم تنجح سياسة الإكراه. هذه ليست دبلوماسية، بل مقامرة. فالتاريخ القريب يعلّمنا أن الحصار لا يُخضع الدول بقدر ما يدفعها إلى التشدد، وأن عسكرة التفاوض غالباً ما تُفشل أي فرصة حقيقية للتسوية.

     الأخطر من ذلك أن هذا النهج يتجاهل هشاشة التوازن في المنطقة. أي خطأ في الحسابات، وأيُّ احتكاك بحري، رد فعل غير محسوب، أو تصعيد متبادل، قد يحوّل “الضغط” إلى مواجهة مفتوحة. حينها، لن تكون هناك صفقة، بل فوضى يصعب احتواؤها.

     ثم هناك التناقض الصارخ: الحديث عن وقف إطلاق نار “هش” يقابله ضخّ المزيد من القوات. كيف يمكن تثبيت هدنة بينما تُرسل إشارات ميدانية معاكسة تماماً؟ هذا السلوك لا يعزز الثقة، بل يقوّضها، ويجعل أي اتفاق محتمل يبدو مؤقتاً وقابلاً للانهيار عند أول اختبار.

     في جوهر الأمر، نحن أمام سياسة تقوم على فرض الوقائع بالقوة، لا على بناء تفاهمات مستدامة. قد تحقق هذه المقاربة مكاسب تكتيكية سريعة، لكنها تزرع بذور أزمات أعمق على المدى الطويل. السؤال الحقيقي ليس إن كانت هذه الاستراتيجية ستنجح في انتزاع تنازلات، بل كم ستكلف المنطقة—والعالم—من استقرار وأمن قبل أن يتضح فشلها أو حدودها.

مقالات ذات صلة