عشرة لقاءات مع صدام حسين(6) عليّ و معاوية..



البعثي السوري المتهكم زهير البيرقدار الذي تعرّفت إليه في بداية السبعينات من القرن الماضي, منذ أن وطئت قدماه أرض العراق قادماً من ملجئه الألماني, صار صديقاً مقرباً مني وظل كذلك حتى وافته المنيّة في نهاية التسعينات على إثر جلطة دماغية لم تمهله كثيراً.
وحتى حينما صار سفيراً للعراق في ألمانيا الشرقية فقد أبدى رغبته في أن يستضيفني لأسبوع في برلين الشرقية مؤكداً، أنّ بإمكاننا مواصلة بعض تنظيراتنا التي انقطعت بعد رحيله. ولم ينسَ أيضاً أن يذكرني ببعض أماسينا المشتركة في (المشتمل) الذي سكنه في ضاحية العلوية بعد مجيئه إلى العراق متمنياً أن نُحيي لذة السهر مع صوت صباح فخري بحضور كاسٍ من العرق اللبناني الذي كان قد وصله هديةً وقرر أن لا يفتح قنينته إلا بحضوري.
زهير كان يتذكر جيداً تلك المقالة المؤثرة التي كنت قد نشرتها على صفحة كاملة من صحيفة الثورة بعد زيارتي عام 1970 لكل من جيكوسلافاكيا وبولونيا والتي شرحت فيها كيف يمكن للإشتراكية أن تنتج تماماً عكس عناوينها الانسانية حينما تتحول على يد الحزب الاشتراكي المقموع بآليات المركزية الديمقراطية إلى نظام يستلب من الإنسان قيمه الروحية بدلاً من أن يعززها.

وحتى كأنني كنت أتنبأ لما سيحصل لاحقاً في العراق حينما يتدخل هذا النوع من الديمقراطيات الثورية ولما سيحصل لاحقاً في كل جمهوريات الموز السوفياتية التي أسرعت لتبايع الغرب سعياً وراء حلول قد تقدمها الديمقراطية اللبرالية لأزمة الإنسان الذي حولته الأنظمة الشيوعية إلى مجرد جهاز هضمي متخصص فقط في وجبة البطاطا المهروسة بينما تركت لعقله وروحه أن يتمتعا بإجازة مفتوحة لأن الحزب والقائد يفكران ويقرران بالنيابة عنه.
ويُحفَظ لزهير البيرقدار فضْلُ أنه كان الرجل الأول الذي ادخل حشوات الأسنان الضوئية للعراق, ففي النصف الثاني من عام 1982 وبعد أن باشرت العمل الخاص في عيادتي الكائنة في المنصور فوجئت بزيارته لي وهو يحمل جهازاً ضوئياً مع كمية مرفقة من الحشوات الضوئية وذلك كهدية لي بمناسبة إفتتاح العيادة ولم يكن هذا النوع من الحشوات قد بدأ تدريسه في كلية طب الأسنان العراقية إلا بعد سنة أو سنتين. وبمناسبة عودته إلى العراق بعد انقضاء عمله في ألمانيا فقد وقع خياره على تلك الهدية الكريمة.
ومن مشاهده التهكمية أنه اتصل بي ذات يوم لكي يخبرني أن الدكتور إلياس فرح عضو القيادة القومية وأحد أبرز مفكري الحزب قد أصيب بجلطة دماغية وطلب مني التهيؤ لزيارته معاً موضحاً أن جلطة فرح تركت كل ما فيه صاحياً وأصابت لسانه بالشلل, ولأن الدكتور كان مسؤولاً عن مدرسة الإعداد الحزبي وكان غزير المحاضرات والندوات فقد نصح البيرقدار البعثيين تعلم لغة الإشارة لأنها ستكون الوسيلة الوحيدة التي ستعين الدكتور فرح على الاستمرار في عمله.

غير أن الأقدار لم تترك البيرقدار على حاله إذ كلمتني ذات يوم زوجته المحترمة لتخبرني أن زهير قد أصيب بجلطة دماغية جعلت نصف جسده مشلولاً مؤكدة أنه تمنى علي بشكل خاص أن أذهب لزيارته لكي أرى على الطبيعة آثار العدوان. وحينما حضرت إلى مسكنه كان لا يزال متمسكاً بتهكمه وبدا أن الجلطة الدماغية قد أصابت كل ما فيه إلا أنها أبقت على جهازه التهكمي بدون إصابة.
في بداية السبعينات انضم البيرقدار إلى هيئة تحرير مجلة الثورة العربية المخصصة للقراءة الحزبية الداخلية, وكانت الهيئة قد تشكلت من طارق عزيز، وبعثيٍّ سوريّ شابٍ، قرر العودة إلى سوريا رغم علمه أنه سيذهب من مطار دمشق إلى السجن مباشرة, وكنت أنا العضو الثالث بينما أضيف البيرقدار لنا بعد فترة وكان عبد الخالق السامرائي المسؤول عن المكتب الثقافي في الحزب هو الذي يرأس تحرير تلك المجلة.
من بين ما أبقته ذاكرتي مخزوناً فيها, دون أن تترك ليد الزمن أن تمتد إليه لمحوه أو حتى التشويش عليه, أن البيرقدار الذي اعتاد أن يجلس في غرفتي في المكتب الثقافي بانتظار أن يستدعينا السامرائي إلى الإجتماع طلب مني أن أسقيه الشاي لأنه رأى أن انتظارنا سوف يطول, ولما سألته عن السبب الذي يدعوه لمثل هذا الاعتقاد طلب مني أن أنظر من خلال الشباك لكي أكتشف هوية الرجلين اللذين كانا يقطعان -جيئة وذهاب- الممر المحاذي لغرفتي والمطل على حديقة تنتهي إلى القريب من جرف دجلة.

كان مستوى شباك الغرفة أدنى من مستوى الممر المحاذي لها ولذا كنت أحتاج إلى أن أحني رأسي كثيراً لكي اكتشف أن ذينك الشخصين كانا عبد الخالق السامرائي، وصدام حسين اللذيْن لم يكن منظرهما ذاك غريباً علي لأن صدام كان يتردد على عبد الخالق وكان الاثنان يفضلان إجراء أغلب حوارهما وهما يسيران في الحديقة. لكن الذي يبقي على ذكرى ذلك المشهد شاخصاً في الذاكرة أن البيرقدار الذي يعرف كيف يلخص المقالة في جملة قال وهو يزفر هذه المرة حسرته الساخنة : يا الله, لو أن معاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب يتفقان هذه المرة لصار لنا مستقبل مضمون هو غير تاريخنا المرتبك الدامي. وحتى كأنه كان يقرأ من الشباك أيام العراق الآتية.
لكن تاريخنا أبى إلا أن يتكرر !!
وإنّ مَنْ قال أن التاريخ لا يعيد نفسه، فهو واهم, إذ ما ظل هناك صراع بين السياسة والأخلاق أو بين النزوع إلى السلطة كهدف شخصي وبين استخدامها كوسيلة لتحقيق الهدف الأخلاقي، ما تكرّر! إذن فإن التاريخ يعيد نفسه رغم اختلاف بعض التفاصيل. ومشهور عن كارل ماركس قوله: “إنّ التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة، ومرة على شكل مهزلة”!.
في السابق تغلب معاوية على علي وبعد سنة سيتغلب صدام على عبد الخالق.





