مقابلة “ثقافة” في تلفزيون France-24مع الكاتبة والروائية عالية ممدوح



“برقية”، شاهدت المقابلة، سجّلتها، ونقلت نصّها كلاماً مكتوباً، واستأذنت الروائية المتفرّدة بلغتها السردية عالية ممدوح، أنْ تنشرها بنصّها وتفاصيلها:
ليانا: يسرني في عدد اليوم استضافة الكاتبة والروائية العراقية عالية ممدوح، للحديث عن روايتها الأخيرة “خلوة النقص”، الصادرة عن دار الآداب. تكتب عاليه ممدوح من داخل تجربة المرض الذي يفرضُ منطقه على الجسد والزمن، ويعيد تنظيم العلاقة مع الذات ومع العالم. تأخذنا عالية ممدوح في بوحها الروائي، إلى طبقات من الذاكرة والـتأمل، ضمن بنية مفتوحة تتنقّلُ في أزمنة وأمكنة متعددة من فضاءات المستشفى الى ذاكرة عائلية مثقلة بتجارب المرض. في هذا السياق يُصبح الألم، موضوعاً للتفكير وتغدو تفاصيل الجسد. مدخلاً لطرح أسئلة تتصل بالحياة والموت والمعنى. تقدم الرواية، معالجة لفكرة النقص باعتباره شكلاً من أشكال الامتلاء، وتجربة تكشف تعقيدات الانسان. عالية ممدوح أهلاً وسهلاً بك معنا.

عالية ممدوح: جميل، جميل، رغم قسوة الكتاب، إلا أن التقديم جميلٌ.
ليانا: الكتاب على الرغم من قسوته، هو كتاب جميل وضروري، ربما لكل شخصٍ مريضٍ، أو يرافقُ شخصاً مريضاً..
عالية: أو في طريقه الى المرض..
ليانا: أو في طريقه الى المرض، الله يبعده عنا، ويبعد عنك المرض عالية ممدوح. أنت تكتبين هذه الراوية من داخل تجربة المرض. أريد أن عرف منك بداية، كيف غيّر المرض علاقتك بالكتابة واللغة.
عالية: قبل أن أبدأ بالكلام ردّاً على سؤالك الجميل العميق. أود بدءاً أن أقدم امتناناً شديداً لدار النشر “دار الآداب” في بيروت. بعد أن قدّمت المخطوطة، أرسلوا إلىّ تقريراً يتمنّاه كل كاتب. وكل روائي لتتويج رحلةٍ عبر خمسين سنة من الإخفاقات والهزائم، والفشل والخذلان، فإذا بكتاب “المرض” أو “كتاب النقص” ينجح وتقدّم الدار العريقة، وصديقتي العزيزة رنا إدريس، تقريراً منصفاً، عادلاً،و نزيهاً، للكتاب، وتتويجاً لرحلتي…
ليانا: لمسيرتك الطويلة والعريقة، وروياتك التي لا تنسى ومنها ممنوعة في بعض البلدان، مثل بلدك العراق.
عالية: كان بودّي أن أبدأ بها، لأشكرها جداً، وأشكرك جداً على الاستضافة..هذا وقت ثمين، وليس وقتاً للأمراض، أعطيتني مساحة لأتحدث عن المرض بطريقة أتمنى أن لا تكون خائبة، لأن أي كتاب يصدر عن الكاتب هو نتيجة خيبة ما، وليس فرحاً ما.. أنا عاشرتُ المرض، وتصالحتُ معه..
ليانا: وكتبتِ معه أيضاً وليس عنه فقط!
عالية: لا، كتبتُ حالي، كتبتُ ذاتي، صيرورتي، وأنا أخاطب المرض، أخاطب الألم، إلى درجة أحسستُ فيها، أنّه يُشرّفني، أنْ أكونَ مريضة، أنْ أتألم…إنّها طريقة جديدة في اكتشاف الذات.
ليانا: يعني هوّنتْ عليك الكتابة، المرض، وأوجاعه؟

عالية: الكتابة كانت محنة، لأنّها لا تحضر دائماً..اللغة أحياناً تتعسّر، لا تحضر كما أنتِ تريدين، حتى اللغة تتمرّض!.
ليانا: مع جسدٍ عليل، كيف تحضُر اللغة؟
عالية: كانت اللغة عليلة أيضاً، لكنني كنت أتمنّى، أنها لم تكن عليلة..
ليانا: لا لم تكن عليلة، وأريد أن أقرأ هنا ربما فقرة من بداية هذه الرواية، التي تدخلنا فعلاً إلى “خلوة النقص” التي ربما هي “خلوة الامتلاء“.
تقولين: ((احتفظتُ بأمراضِ عائلتي كلها فيّ منذ الطفولة، إذ لا وجود لأمراض موسمية عندنا. لدينا أمراض رتيبة ومتكررة، لا تجديد في أمراضنا..كنّا نتّبع المرض كما لو كنا في مدرسة داخلية، لا يجوز الإفلات من طاعته، فكنا نقيم في ذلك الآتي الذي يصنعه الأجداد، والآباء. لم يكن لنا مستقبل كيفما اتفق، كانوا يدرّبوننا على سداد الغد بأمراض الزمن الماضي، ولأعوام عِدة حتى لو لم نعد أعضاء في تلك العائلة. وقد اجتزنا سنين البلوغ، فنصدّق ما يقال لنا لكي لا نشعر بالخجل مما نصدّقه. كُنا ربما جميعاً مرضى، وليس علينا رفض مرضنا)).
وهنا، ربما خلال هذه الرواية وأنت تتحدثين عن تجربتك، هناك حالة تشظٍ في الأمكنة، والأزمنة، والذاكرة، لكنك تستدعين أيضاً كُتّاباً مهمين تحدثوا عن المرض، نيشته، فوكو، شوبنهاور، في سياق التفكير في المرض والموت، ربما هما وجهان لعملة واحدة. أين التقت هذه المرجعيات الفكرية مع تجربتك الشخصية أنتِ، عالية ممدوح؟.

عالية: هي تلتقي، وتذهب، تحضر وتغيب، لأنّ أشياء أخرى تحضر. المرض حالة أعتبرها جيولوجية استمرارية، لاكتشاف النفس..اكتشفت أشياء هائلة في ذاتي عن نواقصي، لأن النقص موجود في داخلنا، ولا نعلم. وكل درجات الصحة، هي طريقة للنظر ومخاطبة المرض، إلا أننا لا نعلم أي مرضٍ سوف يَقدِم. ولمّا حضرت العلّة ومتاعبها، والسعال والاختناق، وفيما بعد ظهرت القوانين الفرنسية أرعبتني..
ليانا: خنقتكِ القوانين الفرنسية!
عالية: كنتُ دائماً أتوقّع أن البوليس ورائي. يا عزيزتي، نحن العرب –وأنت عربية- الموت، أو المرض، أو الحزن له طقسية، له مشهدية. أنا لم أرَ موتاً في باريس، لم أشاهد على الإطلاق طوال حياتي، وحياتي هنا طويلة، لم أشاهد تابوتاً إلا وأنا مارّة من أمام الكنيسة.
ليانا: الموت مغيّب، غير مرئي.
عالية: الموت في باريس، هو حكايتك، أو هو حكايتُه، قصتُه، وليست قصتَكِ. أنا دُهشتُ، لأنّ الموت عندنا –نحن العرب- هو نحنُ.
ليانا: وفي لحظة لافتة، عالية ممدوح تكتبين عن الرغبة في إطلاق النار على قوانين منع الانتحاب، بصوت مرتفع. كيف اشترك هذا الألم الفردي مع الصمت الاجتماعي الذي يحيط بك.
عالية: دمّرني، أبقاني في حالة تدمير شخصي. أود أن أصرخ فقط من الألم، بينما كنتُ أسمع طرقات فوق رأسي، كأنها طرقات المستشار القانوني، يقول لي: اخرسي، اخرسي.. واكتشفت أنّ هذا القانون موجود في أوروبا كلها، ولديّ أقارب، مثل بتول..

ليانا: تجربة المرض، هي تجربة شخصية، لكنّ تجربة المرض داخل غربة، وفي عزلة، والناس من حولك، ربما لا يريدون الالتفات إلى أنّ هناك شخصاً مريضاً. تجربة قاسية، فوق الألم، ألم آخر.
عالية: قسوتها تهدأ، عندما يحتضنك بعض الأصدقاء.
ليانا: وأنت ذكرتهم بأسمائهم.
عالية: هدى ابراهيم، أنقذت حياتي. اتّصلت بي وأنا أحتضَر. كنتٌ في شبه احتضار، لأنني لا أستطيع الكلام. جاءت مع الإسعاف، وأخذتني الى المستشفى العسكري، الذي أقدّم له امتناني الشديد. والأناشيد في الرواية مهداة له.
ليانا: ولجميع الطواقم الطبّية الذين يعملون في المستشفى وأنتِ تتحدثين عن كل التفاصيل، تفاصيل المستشفى، المرضى..
عالية: حتى المصاعد، ناقص واحد، ناقص اثنان، هي التي قرّبتني إلى النقص، أفهمتني، أو أوصلتني لاكتشاف النقص.
ليانا: عالية ممدوح، أنت من أهم الأصوات الأدبية في العراق، وفي العالم العربي. لديك العديد من الروايات، التي تتحدثين فيها عن الجسد، عن الجنس، عن الحروب، عن الذكورية، الذكورية المريضة، مدرسة بحدِّ ذاتها، لكنّ هذا الكتاب يختلف تماماً، أين تصنّفينه اليوم في تجربتك؟..هل تعتبرينه عملاً مختلفاً، أم أنه باكورة أعمال عالية ممدوح؟..

عالية: أنا تصوّرته كتابي الأول، ثقي اعتبرته كذلك، وكتبت الى رنا إدريس، قلتُ لها: أنا استقبلت الرواية هكذا، وإنعام كجه جي، جلبت لي النسخة الأولى، لأنها كانت في القاهرة، فشكراً لها. أولاً أنا لم أتوقعه بهذا الحجم. أنا كتبت أشياء..وكنت أكتب وأرمي ما أكتبه، ولكنْ هذا الكتاب أعتبره كتابي الأول لأنه مُهدَى إلى ولدي، وإلى كل أصدقائي الذين ساندوني، وقاموا بدعمي. أعتبرُ الرواية تجربة – حضرتك تسميها مختلفة- تجربة الخذلان الجسدي، وأنا أطلُّ عليه، وهو لا يستطيع، ولا يقدر..






