تحقيق

 (13) نقشٌ في الحجر: “تاج راسي..!!”هدية صديق أعادت إلى قلبي “نبض البداية”!

    والأجمل، أنْ يقترن الاتصال بهدية لا تُثمَّن، تأتيك على شكل صفحة قديمة من جريدة كتبتَ فيها قبل تسعة وخمسين عاماً، وأنت “الشارد” الذي لم تحظَ إلّا ببعض قصاصاتٍ، وصفحات جرائد ومجلات أصابها الصدأ، فُزتَ بها بمبادرات من ناس طيبين، تمكّنوا من إيصالها اليك مع صور متآكلة الزوايا تعود لسنوات مرتبكة من عمر صحفي أمضيته في بلادك الأم.

    هذا ما فعله الصديق علي عبد الأمير عجام، في مبادرة لم أستغربها من شخص مثله، وكانت مفاجأة زرعت في نفسي سعادة من نوع خاص، يدرك معانيها هو بحسه الصحفي، وبإحساسه الانساني الأكثر عمقاً.

الله عليك.. وين أخذتني؟

     تلك العبارة كانت أول رد فعل لي, وأنا أتامل أول تحقيق صحفي أكتبه للجريدة الصادرة حديثاً، والذي استرجعُ كل دقيقة من تفاصيل إعداده وكتابته، وكيف سلمته الى “فاضل العزاوي” الصحفي والأديب والمترجم الذي كان “سكرتير تحرير” الجريدة أي مدير تحريرها.

    راجَعهُ بحضوري في مكتبه الصغير المحترق بسجايرنا التي يطفئها العزاوي بابتسامة سمراء ونظراتٍ حانيةٍ لا يدركها التعب. ثم ملاحظة منه بضرورة أن يكون التصوير أشمل في التحقيقات اللاحقة، رغم صعوبة الظفر بزميلي الراحل المصور سامي النصراوي الذي كان “يجاهد” وحيداً للتوفيق بين المهام الكثيرة لمحرري “المواطن” البغدادية واسعة الانتشار.

    وأتمنى أن أعود يوماً للحديث عن ذكرياتي مع ذلك التحقيق الصحفي، لأن فيها ما يستحق السرد حقاً مثلما هي حكايتي الليلة مع علي عبد الامير ..

     كانت الساعة الثالثة من فجر الخميس 20 تشرين الثاني “نوفمبر” بتوقيت “فانكوفر”، عندما تلقيتُ منه الإشارة التي هُرعتُ الى “مشاهدتها” فورا بلهفة ظمآنٍ أعيته الصحراء. لم أتمكن بعدها من حبس دموع اختلطت فيها مشاعر البهجة بطعم الامتنان، وهو يبعث “هديته” التي “غلّفها” برسالة صوتية تقطر وفاء وذوقاً مرهفاً عُرِفَ بهما منذ التقينا في سبعينيات القرن الماضي..

     كان الشاب الجميل علي عبد الأمير من بين أعز أصدقاء “نادي الموسيقى” ومجلة “الاذاعة والتلفزيون” التي كَشفتْ لي سنواتها أنني أمام “بَحّار” صلب سرعان ما جعل سفينته تمخر في بحار النغم بسحرٍ أخاذ ما زال مسكوناً في داخله ولعاً ورؤىً ومعرفةً ونقداً.

       ما زلت أتذكر مادة صحفية أبهرتني، كتبها عن الموسيقى في اذاعة ‘ F.M ‘، أكدت انطباعي الأول عنه.. تحدث عن ذلك “الطائر الغريد” الذي دخل بيوتنا وحياتنا زمنذاك. وعذراً من هذه الـ”أنا”، ولربما اختلط علي الزمن بعض الشيء، لكنني لم أكن وحدي هناك تلك اللحظة، بل كان آخرون وأولهم زهير الدجيلي رئيس التحرير الذي فتح أبوابا، خُيِّلَ اليَّ أنها كانت مشرعة لاستقبال علي منذ زمن، وهذا ما أكدته الأيام فعلاً.

      وما فعله معي علي عبد الامير، مع كل الألقاب والصفات التي يستحقها، يشبه موقفه عند عودتي الى الصحافة في ربيع 2003 بعد خمسة عشر عاماً من القطيعة. كان واحداً من الذين رحّبوا بي للعمل معهم في ميادين الصحافة التي بدأت تعيش حياة جديدة فرضها التغيير.

ويومها وصلتني منه رسالة تحمل صدى كلمتين يردّدهما مذ عرفته: “تاج راسي“!

مقالات ذات صلة