مقالات

الأسطورة السياسية .. صناعة الجهل وصراع العقل

     ومع تقدّم التطور البشري بدأ الإنسان يتعمّد خلق الأسطورة حتى وصل في عصرنا الحديث إلى استخدام اللاوعي الجمعي لإنتاج الأسطورة السياسية: فكرة نهاية التاريخ، والقوة التي لا تُقهر، والقطبية الواحدة، وأرض الميعاد، وغيرها، مستفيداً من التطور التقني للإعلام وسيلة لإشاعة السردية السياسية وصناعة الجهل. فمثلاً: فكرة الدولة القوية التي لا تُقهر واحدة من أوضح الأمثلة على صناعة الجهل بطابع أسطوري في السياسة.

      فقبل منتصف القرن الماضي روّجت ألمانيا النازية لفكرة الرايخ الذي سيعيش ألف عاموتضخيم صورة القوة بشكل غير واقعي، وتم تصوير الدولة على أنها الأقوى عسكرياً واستخباراتياً، المسيطرة على محيطها، ولا يمكن لأي قوة أن تهزمها. وكان هذا الخطاب لا يعتمد على بيانات حقيقية بل على رموز ومبالغات تهدف لتشكيل شعور بالرهبة أو الفخر، وبهذا تمّت صناعة حالة من “الجهل المقصود” حول الواقع.

       فلا يتم الحديث عن الفساد أو الأخطاء أو الإخفاقات، ويتم تجاهل الهزائم أو تقديمها بشكل مقلوب، كما حدث بعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، أو هزيمة الجيش الأميركي في فيتنام، أو هزيمة النازية. ولذلك فإن ربط الدولة بقدسية أو هوية أسطورية لا يتعدى كونه سرديات تشتغل لزمان معين ثم تتراجع أمام تحدّ كبير أو صراع طويل، لأن ما يتم الترويج له هو صناعة للجهل، وهو مبحث يتناوله اليوم باحثون كثر مع تطور الذكاء الاصطناعي.

      فكلمات ما يُقال ليس حقائق سياسية بل سرديات رمزية تعمل مثل الأساطير القديمة التي كانت تمنح الجماعة شعوراً بالتفوّق الروحي. لكن الأخطر من الأساطير القديمة أنها كانت تحكم شعوباً وجغرافيات محدودة، أما اليوم وبفعل الإعلام الرقمي أصبحت تحكم العالم.

     فمن خلال تضخيم أي نجاح صغير ليبدو إنجازاً خارقاً، أو تصوير جيش دولة كبرى أو أجهزتها على أنها لا تخطئ أبداً، واعتماد تغطية إعلامية انتقائية وخطاب دعائي موجّه، تصبح الدولة في خيال الجماهير دولة مثالية، رغم أنّ لها نقاط قوة وضعف مثل أي دولة.

    فالإعلام الذي يصنع الجهل بشكل أسطوري يصوّر الدولة بأنها لا تُهزم ولا تُخطئ ولا يُسمح بمحاسبتها، ثم يتحوّل الواقع السياسي إلى أسطورة حديثة، فيُقنع الناس بأن التهديدات ضدها كبيرة جداً وأن الدولة تحتاج إلى قوة مركزية مطلقة قد تضطر لخرق القوانين والأعراف والأخلاقيات، مما يعطي الناس شعوراً بالقوة للتغطية على الفقر والأزمات الداخلية والانقسامات والإخفاقات الاقتصادية.

   وفي عالمنا اليوم دخلت صناعة الأسطورة في معايير صناعة الجهل، واستطاع الإعلام ترويجها بكل الوسائل، ولكن مع التقدم العلمي أيضاً، بدأت هذه الأساطير السياسية تتفكّك بفعل المعلومات الحية التي يستخدمها الإعلام نفسه وبشكل أكثر وعياً.

مقالات ذات صلة