فكر

فكر المظلوميات من جيفرسون المؤسِّس إلى بوش “المفلِّش”..

      من المعروف أن المهاجرين الذين بنوا أمريكا كانوا أساسًا من البروتستانت المضطهدين في أوروبا وإنكلترا. لا يهم، فأنا لا أريد أن أجعل نفسي خبيرًا بالأديان، إنما أريد أن أشير إلى التالي: ولاية فرجينيا اختارت في البداية أن تكون ولاية إنجيليكانية، مع كل ما يعنيه هذا العنوان الديني من إسقاطات دستورية وقانونية سياقية.

     هنا دخل (جيفرسون)، أحد أبرز الآباء المؤسسين وكاتب إعلان الاستقلال، على خط الشروع التأسيسي لهذه الولاية. قال لهم: نعم، نحن معكم، وقد عانينا جميعًا من الاضطهاد الطائفي في المجتمعات التي هاجرنا منها، ويعني ذلك أن الأغلبية قد أبحرت في قارب المظلومية المذهبية.

       لكن دعوني أقول لكم: المظلومية قد تبني طائفة، لكنها لا تبني أمة. إذا أردتم أن يكون لكم مكان في صنع التاريخ فلا تنتصروا على بعضكم، بل انتصروا لبعضكم ببعضكم.

أما ردكم على المظلومية بمظلومية، فهو مجرد رد فعل على فعل، والتاريخ لا تبنيه ردود الأفعال وإنما تبنيه الأفعال.

      ذهب جيفرسون إلى الكونغرس واستحصل موافقته على أن تكون أمريكا علمانية؛ فتلك كانت في رأيه البوابة التي ستدخل بها إلى نفسها وإلى العالم والتاريخ، ولتتحول إلى أقوى أمة. وعادت فرجينيا عن عنوانها ودستورها الإنجيليكاني لتكون ولاية علمانية ديمقراطية.

أين مربط الفرس؟ من أمريكا جيفرسون إلى أمريكا بوش الابن. أعلم أن هذا الأخير قد قرأ جيدًا تاريخ أمريكا، وأهم ما قرأ في ذلك التاريخ أن المظلومية قد تصنع طائفة لكنها لن تصنع دولة أو أمة أو وطن. فلماذا إذن أصر إصرارًا وألح إلحاحًا على أن يكون نظام العراق بعد الاحتلال نظام مظلوميات؟ وقبلها، لماذا أصر على أن يجري تجميع معارضي نظام صدام على أساس طائفي وعنصري؟

      لماذا لم تُرِد لنا أمريكا بوش ما أرادته لنفسها أمريكا جيفرسون؟

يوم بدأت مقالاتي ضد الطائفية، تمامًا بعد الاحتلال، كانت العبارة التي أرددها في الكثير من تلك المقالات: أيها الشيعة، لا تنتصروا على السنة بل انتصروا بالسنة. ويا أيها المسلمون، لا تنتصروا على المسيحيين بل انتصروا بالمسيحيين؛ فذلك وحده هو نوع النصر الذي يصنع وطنًا.

يومها لم أكن قد قرأت عن جيفرسون وقصته مع التأسيس، لكني على ثقة أن بوش الابن كان قد قرأ. لكنه بدل أن يختار لنا ما اختاره جيفرسون لأمريكا، اختار لنا بلدًا يمزقه فكر المظلوميات، حيث الطائفة الأكبر تنتصر على الأصغر منها فتخسر نفسها وتخسر وطنها تمامًا عند نقطة البداية.

        شكرًا موفق الربيعي. شكرًا أحمد الجلبي. شكرًا عبد العزيز الحكيم. شكرًا جلال الطالباني. شكرًا مسعود البارزاني. شكرًا يونادم كنا. شكرًا لجميع “الآباء المؤسسين” لدولة العراق الديمقراطي.

       وقبلكم جميعًا.. شكرًا كبيرة لراعي فكر المظلوميات بوش الابن، الذي انتصر للشيعة على السنة، وللمسلمين على المسيحيين، وللكرد على العرب، فأقام لنا مجتمع طوائف وعنصريات ليس في قدرته مغادرة مساحة الصراع على السلطة إلى مساحة بناء وطن ودولة.

واللي مضيّع وطن جا وين الوطن يلكاه

مع الاعتذار لصاحب الحنجرة الذهبية سعدون جابر.

هامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*اللائكية: لها جذرٌ يوناني، بمعنى “من الشعب في مقابل رجال الدين”. وانتقلت إلى اللاتينية (Laicus)، ومعناها غير الإكليركي “أي ليس من رجال الكنيسة”، ثم دخلت إلى الفرنسية لتصبح (laïque)، ومع الوقت ظهرت منها الصيغة المجرّدة (laïcité)، وتعني بالمفهوم الفرنسي “مبدأ فصل الدين عن الدولة، وضمان حيادها تجاه المعتقدات.

    ولأهمية فهم مصطلح “اللائكية”، استعنّا بمعلومات الذكاء الاصطناعي، الذي بيّن أنّها تعني في فرنسا: مبدأ دستورياً، يقوم على ثلاثة أسس:

     أولاً: حرية المعتقد، فلكل فرد أنْ يؤمن أو لا يؤمن دون تدخل من الدولة. ثانياً: حياد الدولة، أنها لا تتبنّى ديناً ولا تموّل مؤسسات دينية مباشرة. ثالثاً: عدم إظهار الرموز الدينية في الفضاء العام الرسمي، خاصة في المدارس والمؤسسات الحكومية، لأنّ الدولة تعدُّ نفسها “فضاءً محايداً” للمواطنين جميعاً. “برقية”  

مقالات ذات صلة