ثقافة

 قرندل الذي يزرع ولا يحصد!

       مايزال مدني صالح يشغل المشهد الفلسفي والثقافي في العراق، على الرغم من مرور أكثر من ثمانية عشر عاماً على رحيله. فقد بقيت مقالاته ومقولاته ومقاماته وبحوثه وكتبه في الفلسفة والأدب والنقد والدرس الأكاديمي، محطَّ اهتمام تلامذته في الندوات والمؤتمرات الفلسفية، وعلى صفحات الجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية. وكثيراً ما كانت حياته وفلسفته ومواقفه مدار الحديث والاستذكار في مجالسهم الخاصة والعامة.

      كان مدني صالح في حياته، بعيداً متعففاً عن الأضواء، متعففاً عن الاحتفاء والاحتفال بشخصه، مكتفياً بذاته عن غيره، أنِفاً من دون تكبّر، متواضعاً من دون ضعف، قوياً من دون طغيان.لم يكن يرغب أن يكون في موضع المدح أو الاحتفاء والتكريم، انسجاماً مع قناعته الراسخة بأنّ الاكتفاء بالذات هو أبهى صور الكمال الإنساني. وقد اعتذر ذات مرة عن حضور مناسبة احتفالية، وكتب إليَّ يقول: ” أرجو منكم أن تقبلوا مني استغلال هذه المناسبة لإعادة الاعلان عن نفسي بأني غير احتفالي، غير منبري، غير خطابي، إلاّ الاحتفال الدائم بالاكتفاء بالذات والاستغناء عن الغير”.

     ولم يخرج عن هذه القاعدة إلاّ مرة واحدة، حين دعوته للكتابة في جريدة “الزوراء” أيام كنتُ رئيساً لتحريرهاعام 1998، إذ زارني ذات يوم ومعه مقاله الأول، وطلب مني أن أقدمه للقراء بما يشبه “الزفّة”، احتفاءً بعودته إلى الظهور بعد طول اعتكاف.

     منذ رحيله، كُتبت عنه عشرات المقالات والانطباعات، سواء من تلامذته المباشرين أو غير المباشرين، أو من الكتّاب والمتفلسفين الذين قرأوه أو سمعوا به أو صادفوه يوماً هنا أو هناك. وجميعها تتقاطع عند دهشة الإعجاب بهذا الرجل الظاهرة الذي أُحتفي به بعد موته أكثر مما احتفى بنفسه في حياته. أذكر أنه حين أُخبر بأن ثمة فكرة لإطلاق اسمه على مدرسة في الرمادي – لكونه أنهى دراسته الثانوية فيها– لم يستسغها ولا قبلها، بل سخر منها ورفضها بشدة، مستنكراً واقعاً يحتفي بالاسم فيما يغيب الجوهر، شأنه شأن ” قرندل ” من صنف :”الذين يدقّون الكُبّة ولا يأكلون، والذين يلطمون ولا يأكلون، والذين يزرعون ولا يحصدون” .

     كان تلامذته المقربون يعرفون أن أستاذهم لم يكن خطيباً في الصف، ولا متجّبراً أو متسلّطاً، بل صارماً في الحق، ساخراً من أولئك الذين يأكلون، لكنْ لا يدقّون، أو يحصدون ولايزرعون. لذلك قرَّبَ إليه من تلامذته أولئك “القرندليين” الذين يدقّون ويلطمون ويزرعون بلا ضجيج ولا مباهاة، بعيدين عن الادعاء والمكاسب. أولئك الذين يحضرون في موسم الزرع، ويغيبون في موسم الحصاد. أو هم من إخوة الحاج عَذاب/ فرايدي بمواجهة الصاحب المستر روبنصن كروزو المتفوق على الحاج فرايدي وعلى قرندل! . ” ومثلما يأكل روبنصن كروزو من مال فرايدي ويطعمه منه متفضلاً يأكل الصاحب المستر من مال الحاج عذاب ويطعمه منه متفضلاً “.

     وبعد أن غاب مدني عن مسرح الحياة، طفحت بيادرهم في مواسم الحصاد، وفاءً وتبجيلاً لمعلمهم الروحي الذي ما كان ليسمح للقرندليين وهو حي، بحمل مناجلهم في مواسم الحصاد، تعففاً، وتواضعاً،وزهداً، واكتفاءً بالذات عن الغير، فقد حصد بعد رحيله ما لم يحصده غيره، وحصاده كان بمناجل تلامذته الذين أحبوه بتطرّف، والتطرّف هو: “سيّد المواقف كلّها، في الصدق أن تصدق الصدق كلّه، وفي الوفاء أن تفي الوفاء كلّه، وفي الإخلاص أن تخلص الإخلاص كلّه، وفي الحب أن تحب الحب كلّه. وإلا صرنا صيارفة في الصدق وفي الوفاء وفي الإخلاص وفي الحب وصرنا صيارفة ضد كل طبائع الفضيلة والعدل والجمال ومنطق الاخلاق”.

      أذكر أنني في منتصف الثمانينيات فكرتُ بتحرير ملفٍ صحفي عن أستاذنا مدني صالح دون علمه، إذ كنتُ اعلم أنه سيرفض الفكرة رفضاً قاطعاً. فقد وصف نفسه في رسالة خاصة إليَّ بأنه: “غير احتفالي، غير منبري، غير خطابي.. إلاّ في احتفاله الدائم بالاكتفاء بالذات والاستغناء عن الغير”.وشرعتُ في جمع المادة، وسافرتُ إلى مدينته هيت، حيث التقيت بأحد معارفه الذي اطلعني على رسالة كتبها مدني صالح إلى ابن خالته شفيق عبيد ياسين في مطلع الستينيات، حين كان طالب دكتوراه في جامعة كامبريدج البريطانية. سمح لي الرجل بنسخها بعد أن فهم مقاصدي الصحفية. لكن– ولسبب لا أذكره اليوم، ربما الكسل أو فتور الهمة-لم أستكمل المشروع. وبقيت الرسالة بين أوراقي القديمة حتى عثرت عليها مصادفة قبل بضع سنوات، فنضّدتها على الحاسوب كما هي، مكتفياً ببعض التصحيحات الطفيفة في رسم الكلمات.

      تكشف تلك الرسالة عن جوانب إنسانية وعاطفية في شخصية مدني صالح، وعن روحه الساخرة التي يدركها القارئ بين السطور، كما تُبرز حنينه وقلقه على أسرته في زمنٍ كانت فيه الرسائل البريدية، التي تستغرق أسابيع أو شهوراً للوصول، هي الوسيلة الوحيدة للتواصل بين الطلبة المُبتعثين وذويهم في العراق.

    ومن أطرف ما ورد فيها أنه رسم بخط يده قنينة ” شيشة ماء الورد” التي كان يلعب بها على سطح بيت جده، واحتفظ بذكراها بوصفها “أعزّ أثاث بيت جده” !  وتلك واحدة من قرندلياته المُبكرة، وملامح فلسفته العبثية التي جعلت من الحياة حقلاً للدهشة والسخرية والجمال .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     اخترنا من عدد الشهر الحالي لمجلة “دار السلام”، الصادر قبل أيام مقال الدكتور طه جزاع (قرندل الذي يزرع ولا يحصد)! الذي تناول فيه الكاتب القدير بعضاً من سيرة الأستاذ “أبي سفيان”، الفيلسوف مدني صالح، بصدق الوصف.  

    ويزخُر العدد 19 بكتابات شتّى “تُغري” بالقراءة، ومنها: ملف “اليهود العراقيون وملوك العراق” عرض عمر علي حيدر، و”الابتزاز الالكتروني في العراق”، بقلم الدكتور أكرم عبد الرزاق المشهداني. وللدكتورة سعاد العزاوي بحث مهم عن “علاقة تلوث الهواء بزيادة الامراض السرطانية في العراق. وثمة قصيدة رائعة لنخلة العراق، الشاعرة ساجدة الموسوي بعنوان “تمثال من الخوف”.

    وفي العدد مقالات لكتاب وأساتذة عديدين: د. ياس البياتي، ود. عبد الكريم الوزان، نزار العوصجي، د. حسام البدري، سناء السعدي، و محمد طاقة، وغيرهم.

    ومعروف أن المجلة تصدر عن اتحاد النخب والأكاديميين العراقيين، وتواظب هيأة تحريرها على إصدارها بإشراف الدكتور عبد القادر زينل، رئيس المكتب التنفيذي للاتحاد، وبإدارة رئيس تحريرها الدكتور أكرم المشهداني.

    ومن المناسب، والجميل أيضاً أنْ ننشر غلافي المجلة الأول، ليطّلع عليه قراؤنا، والغلاف الأخير الذي يتضمن ستة رسوم كاريكاتيرية، لزميلنا المبدع الفنان الأستاذ خضير الحميري.  

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق