رمز قضائي يواجه الزعيم عبد الكريم قاسم بعدم دستورية تشكيل “مجلس السيادة”!!





بدأ عمله بالسلك الوظيفي عام 1947 مدرسا في كلية الحقوق العراقية، ثم اصبح نائبا للمدعي العام 1950 ثم حاكماً (قاضياً) مقررا في محكمة التمييز. وفي عام 1960 أصبح رئيساً للادعاء العام في العراق.
شارك في العديد من المؤتمرات العربية والدولية ذات الصلة، وممثلاً للعراق في المنظمة الاستشارية القانونية الأفرو-آسيوية.
وفي عام 1961 تم انتقاله للعمل في جامعة بغداد استاذا في كلية الحقوق، وتدرج لغاية منصب رئيس قسم القانون الجنائي.

- أشرف على العديد من أطاريح الدكتوراه والماجستير بالقانون وأبحاث ترقية القضاة.
- عمل في لجان إصلاح النظام القانوني.
- في 30/6/1985 أحيل إلى التقاعد وكان بدرجة استاذ متمرس.
- بعدها أعاد تسجيله في نقابة المحامين ومارس المحاماة كما شارك في العديد من اللجان القانونية في نطاق وزارة العدل ومجلس شورى الدولة.
- انتقل الى رحمة الله تعالى في 4/3/2009بعمر (89) سنة قضاها بالعمل القانوني والقضائي وكان رمزاً شامخا من رموز القضاء والفقه والقانون في العراق والوطن العربي.
ذكرياتي مع الاستاذ عبدالامير العكيلي:
تعرفت على المرحوم الاستاذ عبدالامير العكيلي بحكم الجيرة حيث كنا نسكن العطيفية الاولى منذ الخمسينيات، وكانت نصائحه التربوية المستمرة لي لا يمكن ان انساها واستمرت العلاقة حيث درست على يديه في كلية الحقوق بالجامعة المستنصرية في مادة اصول المحاكمات الجزائية، كما كنت أزوره في مكتبة داره، فلديه مكتبة عامرة بامّهات الكتب القانونية، وداره تقع على (كورنيش العطيفية) وتُطلُّ على نهر دجلة، كما كان يشجعني على الكتابة والتاليف، ويزودني بنصائحه التي لا يمكن ان انساها. كما اشتركت معه في عضوية بعض اللجان القانونية ومن اهمها لجنة وضع (قانون الصحة النفسية) وكان دوره ثراً في إغناء اللجنة بالمعلومات القانونية العملية.

لفقيهنا الجليل الراحل مواقف مشهودة كثيرة اثناء عمله في السلك القضائي وخاصة في الادعاء العام، نذكر منها موقفه الشجاع في مذكرته المرفوعة الى رئيس وزراء العراق الزعيم الركن عبد الكريم قاسم يوضح فيها عدم دستورية مجلس السيادة والقرارات التي تصدر عنه، ومنها المصادقة على تنفيذ أحكام الإعدام. وفيما يلي نص المذكرة وصورتها الفوتوغرافية:
مذكرة مرفوعة من المدعي العام عبدالأمير العكيلي الى الزعيم الركن عبدالكريم قاسم رئيس الوزراء بشأن تشكيل مجلس السيادة من الناحية الدستورية
سيادة الزعيم الركن عبدالكريم قاسم رئيس الوزراء المحترم
تحية طيبة
بالإشارة للمكالمة الشفوية مع سيادتكم صباح يوم 9/3/1959 حول المرسوم الجمهوري رقم 173 الصادر بتاريخ 2/3/1959 والخاص بتنفيذ عقوبة الإعدام شنقاً بالجندي المكلف فخري عباس، واعتراضي لدى سيادتكم عليه بأن المصادقة من مجلس الوزراء لا تتفق وأحكام الدستور المؤقت لعدم توقيع أحد أعضاء مجلس السيادة عليه. إن اعتراضي حول المرسوم ينحصر في أن المادة العشرين من الدستور المؤقت نصت على ما يلي:”يتولى رئاسة الجمهورية مجلس السيادة ويتألف من رئيس وعضوين”، ومؤدى ذلك النص أنه اشترط لصحة ممارسة مهام رئاسة الجمهورية تشكيل مجلس السيادة على شكل وعدد معينين، فالشكل ينحصر بالرئاسة وعضوين اثنين، والعدد لا يتجاوز الثلاثة، وطبيعي ألا ينقص عن ذلك.
إن هذا الشكل وذلك العدد ضروريان في كل انعقاد، ولا يمكن أن يقال بأن هذا الكم وذلك الكيف ضروريان عند صدور البيان رقم (3) بتأليف مجلس السيادة فقط وانتفاء تلك الضرورة عند انعقاده لممارسة شؤونه وواجباته، مثل ذلك كمثل المحكمة المؤلفة من أكثر من عضو واحد والتي لا تنعقد إن حضر رئيس المحكمة وأحد أعضائها.
وقد يرد على هذا القول بأن الدستور المؤقت قد سَمّى الهيئة التي تمارس شؤون رئاسة الجمهورية بـ (مجلس السيادة) وان القواعد العامة التي تطبق على المجالس والتي يجوز بموجبها عدم وجوب حضور جميع أعضاء تلك المجالس – كالمجالس النيابية وغيرها – تنطبق على مجلس السيادة باعتباره مجلساً، فيعتبر المجلس منعقدا ولو غاب أكثر من واحد من أعضائه، مادامت إجراءات التبليغ حيث أن غياب الأعضاء لا يعتبر سبباً يسلب قانونية انعقاد ذلك المجلس. وجوابنا على هذا الاعتراض أن المجالس مهما كانت طبيعتها فانها تستند على الدستور والنظام الداخلي يسوّغ في بعض الحالات غياب بعض الأعضاء بشرط ألا يخل ذلك الغياب بنصاب وكيفية معينين يمنعان عن المجلس عدم تمكنه من ممارسة سلطاته، والعكس هو الصحيح، فإن غياب أعضاء المجالس على اختلاف أنواعها بأكثر مما يسمح به الدستور أو النظام الداخلي يمنع من انعقاده نهائيا، وتؤيدنا في ذلك المادة (52) من القانون الأساسي الملغى والتي نصت على أن “لا يباشر مجلس الأعيان أعماله ما لم يحضر جلساته أكثر من نصف أعضائه المعينين فعلا ولا يباشر مجلس النواب أعماله مالم يحضر جلساته أكثر من نصف أعضائه المنتخبين فعلاً، مع الاشارة لوجود الاختلاف الواضح بين المجلسين واللذين يفترضان فيهما جواز الاختلاف والمناقشة عن طبيعة مجلس السيادة والذي هو وحدة واحدة لا تتجزأ، وعليه فإن غياب أحد أعضاء مجلس السيادة أو امتناعه عن القيام بواجباته يؤدي حتماً إلى فقدان الصفة الدستورية لتشكيل المجلس وبالتالي فإن المراسيم الصادرة منه والقوانين التي يصادق عليها تعتبر غير دستورية.
وقد يقال في هذا الشان بان ما ينطبق على المحاكم والمجالس ينطبق على مجلس السيادة فيمارس أعماله بقاعدة الأغلبية والأقلية، ويقال استنتاجاً في هذا الصدد بأن صدور المرسوم من رئيس وعضو واحد يعني صدور المرسوم بالأغلبية، وأن العضو المتخلف يعتبر بحكم العضو المخالف ويكون للقرار الصادر حجته القانونية. إن هذا الرأي لا ينسجم نهائيا مع الفكرة الدستورية والعرف المؤيد لذلك ومؤداهما بأن مجلس السيادة يؤلف وحدة لا تقبل التجزأة ولا يفترض فيه نهائياً بأن يقال إنَّ هناك بعض الحالات التي يسمح فيها قبول مخالفة عضو من أعضائه، شأنه في ذلك شأن مجلس الوزراء إذ لا يجوز لوزير أن يخالف إصدار قانون معين يريد المجلس تشريعه، وإنما عليه أن يستقيل إن رأى في ذلك القانون ما يخالف رأيه، وهذا هو الواقع، إذ لم يصدر حتى الآن قانون يحمل توقيع وزير مخالف لتشريعه، إذ المفروض سلفاً وجود التضامن في مجلس الوزراء، ومن يخرج على هذا التضامن عليه إنهاء علاقته بالمجلس بالاستقالة.
وعليه ومما تقدم ذكره يبدو لسيادتكم أن صدور القوانين أو المراسيم وهي موقعة من رئيس وعضو واحد أمر لا ينسجم مع صراحة النصوص والقوانين المفسرة له.
لذا فإننا نرى ضرورة معالجة هذا الموضوع من قبل سيادتكم خصوصاً وأن الأمر يتعلق بتنفيذ حكم اعدام مشوب بعدم دستورية المرسوم الصادر بتنفيذه.
وحلاً لهذا الوضع غير الدستوري وتماشياً مع ما سبق وشرحناه أعلاه من أن مجلس السيادة يعتبر وحدة لا تقبل التجزئة وإن إمتناع أحد أعضائه عن ممارسة مهام واجباته أو وفاته أو استقالته أمور تؤدي الى اختلاف نوعية وعدد أعضاء مجلس السيادة، الأمر الذي يجعله في وضع خاص لا يتمكن بموجبه من القيام بممارسة واجباته نرى أن نعرض على سيادتكم بعض الآراء التي نرى أنها تؤدي الى حلٍ لهذا الاشكال ومنها:

أولاً: (آ): الرأي الذي يقول بوجوب مصادقة القائد العام للقوات المسلحة الوطنية على المراسيم والقوانين والانظمة بدلا من مصادقة مجلس السيادة بوضعه الحالي. وسندنا في هذا القول ان القائد العام للقوات المسلحة الوطنية هو الذي “أقدم على تحرير الوطن العزيز من سيطرة الطغمة الفاسدة”، وهو الذي عهد بالحكم إلى حكومة تنبثق من الشعب وتعمل بوحي منه” وهو الذي أعلن “تأليف جمهورية شعبية تسمى حكومتها الوطنية بالجمهورية العراقية”، وهو الذي عهد رئاستها بصورة مؤقتة الى مجلس سيادة يتمتع بسلطة رئيس الجمهورية وذلك بصريح نص البيان رقم (1) الصادر يوم 14 تموز 1958 وخصوصا ان القائد العام للقوات المسلحة عادفألَّفَ بموجب البيان رقم (3) أعضاء مجلس السيادة، وعليه فيكون القائد العام للقوات المسلحة الوطنية حتى اليوم جميع السلطات بالنيابة عن الشعب.
وتعليلنا لذلك يرد في ان الدستور المؤقت لم يلغ صراحة او ضمنا او ما يمنع استمرار شرعية البيان رقم (1) ولا يمكن ان يقال بان المادة (27) من الدستور المؤقت لم تنص على اعطاء البيان رقم (1) المذكور قوة القانون، وحينئذ لم تبق قيمة دستورية له، وذلك لان البيان الرقم (1) المذكور يعتبر مصدر السلطات الدستورية التي اعلنها القائد العام للقوات المسلحة الوطنية باسم الشعب حينئذ فلا حاجة للنص عليه في دستور مؤقت في طبيعته، يؤيدنا في هذا الراي ان المادة (27) من الدستور المؤقت المشار إليها آنفاً قد نصت على إعطاء البيانات والمراسيم الصادرة من قائد القوات المسلحة قوة القانون، وسبب هذا النص صراحة هو أن القائد العام للقوات المسلحة وهو سيادة الزعيم الركن عبدالكريم قاسم قد عيَن من قبل مجلس السيادة بموجب المرسوم الجمهوري الرقم (1) فهو بذلك شخصية مسؤولة ذات مركز دستوري معين سيختلف عن الشخصية المسؤولة التي أصدرت البيان رقم (1) والبيان رقم (2) وهو القائد العام للقوات المسلحة الوطنية فأعطى قوة القانون لبياناته الشخصية الأولى (القائد العام للقوات المسلحة الوطنية) ولم ير من حاجة إلى إعطاء الصفة الشرعية الى الشخصية الثانية (القائد العام للقوات المسلحة الوطنية) والتي كانت وما تزال بطبيعتها المصدر الرئيس لجميع السلطات كما ذكرنا آنفاً.
(ب) واستنتاجاً مما ذهبنا إليه في الفقرة (آ) نرى بأن القائد العام للقوات المسلحة الوطنية والذي ما تزال صفته الدستورية مستمرة باعتباره مصدر جميع السلطات يمارسها باسم الشعب، أن يقوم بتعيين مجلس سيادة جديد إن اعتبرنا أن المجلس وحدة لا تتجزأ أو تعيين عضو جديد بدلاً من العضو المتخلف إن لم تقبل فكرة عدم جواز تجزئة مجلس السيادة ونرى كذلك أنه المصدر الأساسي لإلغاء وتعديل نصوص الدستور المؤقت.
ثانياً: الرأي الذي يقول بأن سلطات مجلس السيادة يتولاها مجلس الوزراء باسم الشعب عند اختلال نصاب مجلس السيادة الى أن يتم تعيين مجلس السيادة على الوجه الدستوري وهذه حالة مؤقتة تمليها ضرورة تمشية الأمور، واستثنائية لا يُلجأ إلى تطبيقها إلا بصورة مؤقتة وضيقة جداً، وهذا الرأي مستمد قياساً على المادة (22) من القانون الاساسي الملغى والتي يجوز اعتبارها سابقة دستورية بهذا الشان حيث نصت على ما يلي: (……. تكون حقوق الملك الدستورية لمجلس الوزراء يتولاها باسم الأمة العراقية….).
ثالثاً: وكنتيجة لما ذكرناه في الفقرة (ثانيا) وبدون اللجوء الى ممارسة واجبات مجلس السيادة من قبل مجلس الوزراء فان له عند انتقال تلك السلطات اليه بسبب اختلال نصاب مجلس السيادة ان يعين باسم الشعب عضو مجلس السيادة ليستكمل به الشكل الدستوري لمجلس السيادة، أو كما سبق وبيَناه أعلاه من أن مجلس السيادة وحدة لا تتجزأ أن يقوم مجلس الوزراء بتعيين مجلس سيادة جديد على الوجه المشروح في الدستور المؤقت.
هذا ما وجب عرضه لسيادتكم حول الموضوع.
عبدالامير العكيلي
المدعي العام
صورة منه الى:
سيادة وزير العدل: نرجو التأييد ان رأيتم ان ما ذهبنا اليه كان مناسباً.
سيادة رئيس ديوان مجلس الوزراء – للعلم.










