تحقيق

(18) نقش في الحجر: بين سالمون فانكوفر وفلامينغو الدلمج!

    (إفلاس مائي..إجهاد مائي..شحُّ قاسٍ.. مصطلحات تُحلِّق في أجواء العراق بقوة مثل طائرٍ كاسر، والجفاف يخنق الأنهار والأهوار.. والإنسان المُبتلى في حال انتظار).

    نص صغير نشرته في17 آب 2023، ذكَّرني به الفيسبوك بعد عام لكنني لم أتعامل معه يومها، لتزامنه مع رحيل فقيد العراق حمودي الحارثي الذي غادرنا من منفاه الأوروبي، وعيناه على وطن بملايين فقيرة، جائعة، حائرة، وأرض عطشى يفترسها الجفاف. كدت أنسى الأمر تماماً، لولا أمطار فانكوفر (السبت 19 تشرين الأول-أكتوبر الجاري) التي أمست سيولاً وفيضانات، أحالت الكثير من الشوارع والساحات الى قنوات وبحيرات، شهدت حوادث مرور وانقطاعات كهربائية، قبل أن تستتب الأمور على يد كوادر بلدية خبيرة في التعامل مع أوضاع كهذه في مدينة عُرفت بسماء غزيرة العطاء، بل إنّ توقف المطر فيها لأيام متتالية امر نادر لمعظم فصول السنة!

      ومن بين عشرات الصور المثيرة والمضحكة أيضا، استوقفني مشهد رجل يحاول الظفر بسمكة سالمون كبيرة ضلَّت طريقها، قبض عليها بيديه القويّتين لكنها تمكنت من الإفلات منه مذعورة أمام زائر غير مرغوب فيه وسط طبيعة هائجة وطرقات مرتبكة، أما ردود الأفعال فتباينت بين مؤيد رأى الوضع فرصة ممتعة لا تُفوَّت، ومعارضٍ عَدَّهُ نوعاً من الصيد الجائر، وهي الحجَّة التي رَدَّني بها أحد أعضاء إدارة مجمعنا السكني قبل سنوات معتذرا عن اتخاذ أي إجراء بحق (نقار الخشب) الذي ينقر الجدار فوق رأسي تماماً فجر كل يوم لإكمال حفر العش الذي سيؤوي صغاره:

     (السيتي ما تقبل!) هذا ماقاله حيدر بالحرف، وهو بالمناسبة من أبناء جلدتي أيضاً.. أين منه عراقيون يستمتعون ويتباهون بطرق اصطياد (الفلامينغو)، بل ويتلذذون بلحم طائر جميل يشبه الفراشة برقته وألوانه! علماً أنه ليس من الطيور المفضلة والقابلة للأكل مثل الخضيري ودجاج الماء والبط رغم حظر اصطيادها حسب قوانين حماية البيئة، ولأنه يخالف التزامات العراق بعد إدراج أهواره في لائحة التراث العالمي في تموز 2016.

     أشعر بمزيج من الحسرة والأسى وأنا أتابع حالة طائر (النحام) اسمه بالعربية، حيث لا مكان يناسبه الآن سوى بحيرة هور الدلمج مع طيور مهاجرة أخرى (حسب معلومات سابقة أوردها جاسم الأسدي الناشط البيئي المعروف ومدير منظمة “طبيعة العراق”) بعد أن تراجعت أعداده بكثرة في هور الحَمّار الشرقي الذي كان ينشط فيه بشكل كبير سابقا، ولم يعد يُشاهد هناك، ولا في بحيرة أم النعاج التي كانت تعج بطيور قَلَّت نسبتها حتى في باقي البحيرات..

     إخال طائرنا اليوم مُطَأطأ الرأس في رحلته الموسمية الى العراق، حزناً على الأوضاع التي بلغتها الأهوار، ذلك العالم المدهش المقيم عندنا منذ زمن سحيق، وألهم كُتّابَا وصحفيين وأدباء وفنانين بتذكارات فذة وروائع من روايات وحكايات واستطلاعات وأشعار ورسوم وصور وأفلام وألحان تطربني أكثر من عروض لـ (الفلامينغو) حضرتها في مكان بهيج بمدريد اسمه (لوس بروخاس) أي (الساحرات) بالاسبانية، أو منتجع (بلايا “ساحل” ديل كارمن) المكسيكي أو ما قدمته فرقة (ماريا روسا) التي استقدمها منير بشير أواخر السبعينيات عندما كان مستشاراً لوزارة الثقافة والإعلام ومديراً عاماً لدائرة الفنون الموسيقية، لتؤدّي برنامجاً شائقاً في أوج أمجاد مهرجانات بابل الدولية بمشاركة فرق باليه مثل (ليون) الفرنسية وأخرى (سوفييتية) لا يحضرني اسمها، وعازفي جاز ومغنين، وفرق فنون استعراضية شعبية من شرقي آسيا وأوروبا وغربيهما، توزعت فقراتها بين مسارح بغداد والمسرح الأثري الصيفي ومعبد (نينماخ) وغيرهما من معالم مدينة الجنائن المعلقة وبرجها العملاق، وكان الجمهور يحرص على حضورها من مدن عدة بالسيارات أو بقطار خصص للمناسبة بين بغداد والحلة.

      ومنير بشير نفسه الذي أسس مهرجان بابل، كان من بين الذين قادوا حدثاً هو الأول من نوعه، مهرجان الجبايش السياحي الأول في السبعينيات أيضاً، بمعيته الفنان (الدكتور) سعدي الحديثي الذي حضر بصفته باحثاً وخبيراً موسيقياً ومحرراً في مجلة (القيثارة)، كنا على مقعدين متقاربين جداً في الباص، ذهاباً وإياباً فتتشعب أحاديثنا مع فواصل “عَتابه” وطرب يختارها صاحب (ع الآه وا ويليه.. ..يا نبعة المشمشة) بمزاج يتجاوب مع مشاهد ساحرة نخترقها، وليس بعيداً جلس مُغنٍ آخر ينتمي الى الدائرة ذاتها هو ابراهيم العبد الله يقول لنا (گوم درجني وامشي گدامي).

   واذا كانت مهمة الثلاثة ومن معهم تتعلق بالإشراف على إحياء الجوانب والفعاليات الموسيقية والغنائية وما يتفرع منها ضمن فقرات المهرجان، فإنّ إعلاميين وآخرين من مؤسسات معنية حضروا لهدف كبير يتخطى مجرد التعريف بالأهوار، الى العمل من أجل الترويج السياحي والآثاري وتشكيل عوامل جذب للزوار والمهتمين بالبيئة والطبيعة والتراث، وتشجيع الاستثمار العلمي لمكان غني بثرواته وعريق بمكانته التاريخية، اذ أنّ جهات عدة شاركت في تنظيم المهرجان، اتذكر منها مصلحة المصايف والسياحة والآثار وأمانة بغداد بالإضافة الى دوائر قضاء الجبايش ومحافظة (ذي قار).

     لقد كانت زيارتي الأهوارية تلك من بين أكثر زياراتي فائدة وإثارة ومتعة، والأطول أيضاً، ثلاثة أيام شاهدت خلالها جوانب مختلفة من الحياة على طبيعتها، الناس، عاداتهم، مشغولاتهم، زراعاتهم، صيدهم،”المسگوف وخبز السيّاح” الساخنين .. شاهدت عرساً أهوارياً وسباقاً للمشاحيف وأغنيات بلغة تحاكي خرير المياه وميلان القصب وانثناءة الأسماك ورفيف الطيور وصفو السماء، أما استراحتي فأمضيها في مكان أشبه بفندق صغير، (شُيِّدتَ) معظم محتوياته أو صُنِّعَت من البردي، الاستقبال، الاستراحة، المقصف، الغرف، الجدران، الموائد، المقاعد، السرير، خزانة الملابس، الحمّام.

    ولم استغرب طبعا، أو ليس الناس هنا من الذين تُضرب الأمثال بكرمهم وسخائهم في كل العهود؟ أوَ ليسوا أصحاب المضايف القصبية ذات (الملامح الذهبية) و(التراث الصامد) على مر السنين، والتي ألهمت أيضا معماريين كثر في وضع تصاميم المباني والبيوت في البلدات والمدن؟ وأتذكر جيداً أنّ جفنا لي لم يغمض حتى الفجر في ليلتي الأولى، ماخوذاً بهدأة سكون ساحر أعيشه للمرة الأولى في حياتي. أحد المتابعين ويبدو أنه من السكان القدامى، أشار الي بعد قراءته تعليقا لي مؤخراً بأن المكان لم يكن فندقاً بل كابينات سياحية، (ولا يهمك صديقي.. سَمِّهِ ما شئت، لقد كان كل شيء مبهراً، فأين نحن من كل ذلك اليوم؟).

    وأول مرة انبهرتُ فيها بمشهد الأهوار كانت بنظرات خاطفة عبر نوافذ قطار بغداد البصرة في وقت مبكر من السبعينيات، مهمة صحفية اصطحبتُ خلالها أبي الذي اشتاق إلى ابن عمته وصديق عمره “انيس” المقيم المعتّق في مدينة النخيل والماء والرمال والنفط، عوالم احتلت مساحة مهمة من جولات ميدانية صاحبتُ في إحداها فرقة زلزالية للمسح واستكشاف النفط وتحديد موقعه من خلال إحداث هزات في أعماق الأرض بمكان ما من الأهوار يوم احتوتنا “قمرة” سيارة ضخمة مع أحد الكوادر الوطنية، صورته ماثلة أمامي، وجه دائري أبيض صافٍ وواثق، أعطى الايعاز بكلمات روسية عبر ميكرفون أمامه، تلاها انفجار ضخم شق دويه عنان السماء، واهتزت له الأحياء هناك بكل مسمياتها للحظة سريعة خاطفة.

      وعرفنا بعد حين أنّ المنفذين عراقيون ردفاء لخبراء “سوفييت” صاروا يتقنون مهمة الاستمرار في البحث عن ذهب أسود يدر بالخير العميم على أبناء أرض السواد، لم يخطر في بالهم ولا في بالنا أنّ فردوساً كهذا يزيد عمره عن خمسة آلاف عام سيتعرض يوماً الى حريق وتجفيف مدمرين بشكل بشع بفعل حروب كارثية مجنونة، وعندما ظهر بصيص أمل بتجدد تدفقٍ خجول للمياه قبل سنوات، ها هو يعاني محنة وجود مهدد بالزوال بسبب شحة قاسية يبدو علاجها امرا بعيد المنال، فعافية الأهوار لن تكون إلّا بعافية البلاد برمتها، حيث لا يزال صدى صرخات (نريد وطن) يتردد على مبعدة كيلومترات مُعَبَّدَةٍ بالأهات والانّات، وفي مدن وأرياف تعيش الذكريات المريرة والأحلام المُعلَّقة، منتظرين عودة (الفلامينغو) الى (جنة عدن) لا يشكو أهلها أحوالهم بترنيمة حزينة عنوانها (حال العدم حالي) بل يزرعون الاغنية ضمن ماضٍ جميل يتمنون استعادته.. ولعل كثيرين منهم يتابع مثلي باهتمام اخبار جاسم الاسدي، رجل الاهوار والمدافع الكبير عنها، الانسان العراقي الذي يملأ مكانه بجدارة، إقرا ما ينشره ويقوله بحثا عن خبر سعيد من هناك اضيفه الى ذكريات عمرها نصف قرن ونيف، أثارتها سمكة مذعورة وطائر قلق يشبه شيئاً من قلقي.

مقالات ذات صلة