ترجمة

ماذا وراء “تأجيل” ترامب “ضربته العسكرية الكبرى”؟!

                   “برقية”: خاص-ترجمة بتصرف  

        ترامب يقول إن إلغاء الهجوم مشروط بـ”إمكانية التوصل سريعاً إلى صفقة”، وهذا يعني أن واشنطن لا ترى في التفاوض بديلاً عن القوة، بل تعتبر القوة وسيلة لدفع الطرف الآخر إلى تقديم تنازلات. لكن في المقابل، فإن طهران لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات تحت التهديد. فتصريح وزير الدفاع الإيراني بأن التهديدات الأمريكية هي “حرب نفسية وإدراكية” يعكس قراءة إيرانية مفادها أن واشنطن تحاول التأثير في حسابات القيادة الإيرانية أكثر مما تستعد فعلاً لحرب شاملة.

         وربما يتضح من مسار الصراع وتحوّلاته أن أهم نقطة في التقرير ليست الملف النووي وحده، بل مضيق هرمز. رويترز تشير إلى أن إيران “أغلقت إلى حد كبير مضيق هرمز”، وهنا يظهر أن الصراع لم يعد محصوراً بين إيران والولايات المتحدة، بل أصبح أزمة دولية تمس الاقتصاد العالمي. فإيران تدرك أن امتلاك القدرة على تهديد إمدادات الطاقة يمنحها ورقة تفاوض قوية، بينما تدرك واشنطن أن استمرار الأزمة سيرفع أسعار الطاقة ويخلق ضغطاً داخلياً على الإدارة الأمريكية. ولهذا نجد ترامب يربط بين الاتفاق النووي وإعادة فتح المضيق، أي أنه يريد اتفاقاً أمنياً واقتصادياً في آن واحد.

       لكنْ، لماذا تدخلت السعودية؟. الموقف السعودي طبقا لتقرير رويترز مهم جداً. ولي العهد السعودي شدد على: “ضرورة إعطاء الأولوية للحوار لخفض التوترات”.  وهذا يعكس قلق دول الخليج من أن أي حرب واسعة بين الولايات المتحدة وإيران ستكون على أراضيها ومصالحها الاقتصادية. والسعودية اليوم، رغم تحالفها مع واشنطن، لا تريد تكرار سيناريوهات سابقة حيث تتحول المنطقة إلى ساحة صراع، خصوصاً أن استقرار أسواق النفط أصبح أولوية اقتصادية لها.

          وتقرير رويترز، ينقل موقف وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين الذي قال إن إسرائيل ستتحرك: “مع أو بدون اتفاق”،  إذا استأنفت إيران برنامجها النووي أو طورت قدراتها الصاروخية. ويبدو جليّاً هنا أن إسرائيل هي “العامل الذي يصعّب التسوية”. وهذه العبارة تكشف مشكلة أساسية: حتى لو توصلت واشنطن وطهران إلى تفاهم، فإن إسرائيل قد لا تعتبر ذلك كافياً.

        بمعنى آخر: هناك ثلاثة حسابات متداخلة: أولها، أنّ الولايات المتحدة تريد منع إيران من امتلاك سلاح نووي وحماية مصالحها. والثاني أن إيران تريد الحفاظ على نفوذها وقدرتها الردعية. أما ثالث الحسابات، فهو أن إسرائيل تريد منع أي قدرة إيرانية تراها تهديداً استراتيجياً.

      فإلى أين يتجه المسار؟

     استناداً إلى معطيات تقرير رويترز، نحن أمام ثلاثة احتمالات:

 الاحتمال الأول: اتفاق مرحلي (الأكثر احتمالاً على المدى القريب). وقد لا يكون “صفقة كبرى”، بل اتفاقاً مؤقتاً على: فتح مضيق هرمز، وقف الهجمات المتبادلة، تجميد بعض النشاطات النووية. وبدء مفاوضات أوسع. وهذا الاحتمال، يتسق مع شخصية ترامب السياسية التي تفضل إعلان “صفقة” سريعة.

      الاحتمال الثاني: استمرار سياسة حافة الهاوية. وهو السيناريو الذي يبدو قريباً أيضاً: تهديدات أمريكية، ردود إيرانية، ضربات محدودة، ثم العودة إلى التفاوض. وإيران تاريخياً تستخدم هذا الأسلوب: رفع مستوى الأزمة ثم العودة إلى طاولة التفاوض عندما يصبح الثمن مرتفعاً.

       وثالث الاحتمالات: الانزلاق إلى حرب أوسع. وهو احتمال قائم إذا حدث: استهداف كبير للقوات الأمريكية، أو إغلاق طويل لمضيق هرمز، أو ضربة إسرائيلية منفردة للمنشآت الإيرانية.

       وما يكشفه تقرير رويترز أيضاً هو أن الطرفين وصلا إلى نقطة يدركان فيها خطورة المواجهة، لكنهما لا يزالان يريدان تحسين موقعهما قبل التفاوض. ترامب يقول عملياً: “لدي خيار الضربة، لكنني أفضل صفقة”. وطهران تقول: “نحن مستعدون للردع، لكننا لا نريد أن نظهر كطرف مستسلم.

      ليس كل تراجع عن الضربة العسكرية يعني نهاية الأزمة، كما أن كل حديث عن التفاوض لا يعني بالضرورة اقتراب التسوية. ما يجري بين واشنطن وطهران في هذه المرحلة يبدو أقرب إلى لعبة عضّ الأصابع، يحاول فيها كل طرف تحسين موقعه قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

       تقرير رويترز الأخير يكشف هذه المفارقة بوضوح؛ فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أنه سيؤجل هجوماً جديداً على إيران، لكنه ربط ذلك بإمكانية التوصل إلى “صفقة سريعة” تنهي ما وصفه بالتهديد النووي الإيراني وتعيد فتح مضيق هرمز.

        هذه الصيغة تحمل رسالة مزدوجة: فالخيار العسكري ما زال قائماً، لكنه تحول إلى أداة ضغط سياسية. ترامب لا يغلق باب الحرب، لكنه يبدو مدركاً أن استمرار المواجهة ستكون له كلفة اقتصادية وسياسية، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة وتأثير ذلك في الداخل الأمريكي.

    في المقابل، تنظر طهران إلى التهديدات الأمريكية بعدّها جزءاً من حرب نفسية ومحاولة للتأثير في حساباتها. وقد عبّر وزير الدفاع الإيراني عن ذلك بوصف التهديدات بأنها “حرب نفسية وإدراكية”، مؤكداً أن إيران ستعزز جاهزيتها وقدرتها على الردع.

      لكن جوهر الصراع لا يكمن في الملف النووي وحده. فمضيق هرمز أصبح الورقة الأكثر حساسية في هذه المواجهة. فهذا الممر البحري الحيوي لا يمثل قضية إيرانية أو أمريكية فقط، بل يتعلق بأمن الطاقة العالمي. ولذلك فإن أي تعطيل طويل لحركة الملاحة ستكون له آثار تتجاوز حدود المنطقة، من ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على دول كثيرة.

      ومن هنا يمكن فهم دخول السعودية على خط الاتصالات؛ إذ إن دول الخليج، رغم علاقاتها الوثيقة مع واشنطن، تدرك أن الحرب الشاملة ستكون نتائجها خطيرة على أمن المنطقة واقتصاداتها. ولهذا جاء التأكيد السعودي على “أولوية الحوار وخفض التصعيد” تعبيراً عن رغبة في منع انفجار واسع يصعب التحكم بنتائجه.

     أما إسرائيل فتمثل العامل الأكثر تعقيداً في معادلة الأزمة. فالموقف الإسرائيلي، كما نقله التقرير، لا يكتفي بأي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، إذ يؤكد أن إسرائيل ستتحرك “مع أو بدون اتفاق” إذا رأت أن إيران تعيد بناء قدراتها النووية أو الصاروخية. وهذا يعني أن أي تسوية أمريكية ـ إيرانية ستبقى معرضة لاختبارات صعبة.

       والسؤال الأساسي الآن: إلى أين يتجه المسار؟

الاحتمال الأول هو الوصول إلى اتفاق مرحلي، لا ينهي الخلافات الكبرى، لكنه يوقف التصعيد: فتح مضيق هرمز، تخفيف العقوبات، وتجميد بعض الأنشطة النووية مقابل ضمانات معينة.

     أما الاحتمال الثاني فهو استمرار سياسة حافة الهاوية؛ أي تهديدات متبادلة وضربات محدودة، يليها عودة إلى قنوات الاتصال، وهي سياسة عرفتها العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية طوال العقود الماضية.

      ويبقى احتمال الحرب الواسعة قائماً، لكنه يبدو أقل رغبة لدى الأطراف جميعاً، لأن كلفته ستكون باهظة، وقد تفتح أبواباً لا يستطيع أحد التحكم بها.

مقالات ذات صلة