تحقيق

كلُّ نغمة جمال وألق ومسرة تطالب بإنقاذ حياة الموسيقار الكبير عبد الرزاق العزاوي

   هدفي الرئيس هنا هو مناشدة مخلصة من قلوب كثيرة تخفق قلقا على عبد الرزاق العزاوي من اجل انقاذ حياته وهو يمر في وضع صحي حرج. مسترجعاََ هيئته في صورة نادرة يقود بها الفرقة السيمفونية ببدلة بيضاء تشبه قلبا عشق حمامة ألَّفَ لها واحدة من مقطوعاته، يبدو هديلها الان بطعم استغاثة ننتظر الاستجابة على اوسع نطاق ومن كل المستويات.

      رنّ جرس الماسنجر ذات ليلة باردة من شتاء 2024 – 2025، فأسمع صوت عبد الرزاق العزاوي يقدم لي صنيعاً، اقتحم فيه صحراء وحدةِِ يتجمَّد فيها كل شيء الاّ الحنين. ولم يكن سؤاله الاول عن صحتي واحوالي كما جرت العادة،،،،،،، بل لهفة نطقت بكلمتين: “وينك انت؟

في كندا يا عزاوي..”

أهوووو ، عبالي قريب، بعمّان ببيروت بتركيا باوروبا، فد مكان يخليك تجي ونتشاوف، انت انسان ما تنّسي، انت، انت..”

و”أهوووو” عينها، كنتُ ارددها  مع كل مرة يهاتفني فيها اثناء عملي بمجلة “الاذاعة والتلفزيون” او جريدة “الثورة”. ردُّ فعلِِ تلقائي على “مشاكسةِِ” يمارسها حين يقدم رتبته العسكرية على اسمه: “انا النقيب عبد الرزاق..” “انا الرائد..”  “انا المقدم..” انا العقيد.. من الموسيقى العسكرية“.

وحين يلمس “تذمري” المازح، المصطنع والسريع، نُطلق العنان لضحكات تسبق حوارات دافئة، مع واحد من اجمل الضباط الذين صادفتهم في حياتي. سلاحه الموسيقى. شغله الشاغل كتابة النوطة والنفخ بالـ”كلارنيت”، او رفع عصا “المايسترو” ونشر المقالات والبحوث في مجال اختاره منذ يفاعته، لغةً تجمع البشر في عالم  يزداد اضطرابا.

وخلال تلك الليلة التي ربطت بين فانكوفر، المكان القصي في غربي الدنيا وبين بغداد التي كانت يوما “أم الدنيا”، أعدنا الضحكات نفسها بعد ان ذكَّرته بتلك المكالمات. استعدنا تفاصيل لقاءات جمعتنا منذ السبعينات والى نهاية الثمانينات. عشية تأليفه مقطوعته الشهيرة “طوق الحمام” 1972. وقبل ان يصبح اول عراقي يقود الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية في العام 1974 بقاعة الخلد، مرتديا الزي العسكري وهو برتبة ملازم اول. تخرج في قسم الموسيقى بمعهد الفنون الجميلة 1962والكلية الموسيقية الملكية البريطانية في لندن “باند ماستر” 1967 وصار زميلا لها. ليظل واحدا من مصادري المعتمدة في نشر الاخبار واستقاء المعلومات، ثم صديقا مكرَّما طيلة عمري الصحفي العراقي.

ولعل من ابرز ما قدمته عن عبد الرزاق العزاوي في بداية تعارفنا، بعد سنة او سنتين من تاسيسي زاوية “نادي الموسيقى” في مجلة “الاذاعة والتلفزيون” مطلع السبعينات، ندوة صغيرة اقمتها في البيت العتيق الذي اتخذته المجلة مقرا لبعض الوقت قبل استقرارها على حافة دجلة بكرادة مريم. كان ذلك البيت داخل الزقاق المقابل للمدخل الرئيس لمبنى المؤسسة العامة للاذاعة والتلفزيون، والذي انتقلت اليه المجلة من مكانها في شقة بعمارة “الكميت” التي شغلتها وكالة الانباء العراقية، قرب “نقليات الاقتصاد” في الصالحية، حيث صيحات الرصيف تمتزج بروائح الدهن الحر من “مطعم ابن سمينة” وشواء الفحم يختلط بعبق شاي المقاهي.

كان الوقت عصرا، عندما هيأتُ آلة تسجيل كبيرة فوق طاولة جمعت بالاضافة الى عبد الرزاق وانا، زهير الدجيلي رئيس التحرير وزميلنا في المجلة يحيى ادريس الذي اصبح فيما بعد نجما مصاحبا للمقام العراقي في برنامجه التلفزيوني الاثير. تولّى العزاوي الحديث عن “مشروع العمر” بتشكيل فرقة متكاملة جميع اعضائها من عازفي العود. يردّ على اسئلتنا واستفساراتنا. يشرح ويوضح بثقة مقرونة بالنماذج والامثلة. فكانت ساعات اثبتت اننا امام مبدع متمكن، قادر على التعامل مع الالات الشرقية بذات الطريقة التي اتبعها عن جدارة في عمله بالموسيقى العسكرية التي تعتمد على الات النفخ النحاسية والخشبية والهوائية عموما، والات الايقاع الصاخبة الخاصة بضبط المسير مثل الطبول والصنوج.

نشرنا الندوة كاملة على صفحات المجلة عن مشروع تتوفر له آفاق تطوير عديدة، مستفيدا من ممكنات تراثنا المحلي الجميل والمتنوع بتنوع ترابه الذي كان صالحا، ومياهه التي كانت وفيرة من شماله الى جنوبه. وما زلتُ اتذكر قوله: اذا ما سرتُ في المشروع، فانني افكر  ان ادخل اليه “الصفكَة” البصراوية في اولى خطواتي.

خطواتٌ، تعثرت بعد مدة من الاعلان عنها، دون ان اتذكر امدها اليوم. طالت ام قصرت. مثل امور كثيرة اخرى لم يُكتب لها الاستمرار في بلد يجيد التعثر والتقهقر ويُدمن الحزن والوجع، من خلال ازمات او حروب اختطفت اطولها التي استمرت ثماني سنوات، طفليه “فرح” و”ود” في لحظة قاتلة إثر سقوط صاروخ على بيت الاسرة. فُجع الاب والام. واورث الحادث حزنا اقام طويلا بين الاقرباء والاصحاب والمحبين.

قبل اسبوع او اثنين من ذلك التاريخ الذي اكره ان اعرفه مثلما كرهتُ الخاكي الذي اصطبغت به الارض، كنتُ في زيارة الى بيت عبد الرزاق العزاوي في المنصور او جوارها، عندما دخل طفل جميل باسم، القى عليَّ بالتحية، ثم وضع صينية بصحن بقلاوة وقنينتي ببسي وقدحين زجاجيين، على الطاولة قبل ان يغادر المكان قائلا: “هلا عموّ“!!!

وبالعودة الى مكالمتنا الطويلة الاولى تلك، بعد سنين الفراق والعزلة والهجرة، بدا عبد الرزاق سعيدا بما بعثته اليه من “خواطر عن مبنى عتيق قرب القصر الابيض”. مقال رويتُ فيه جوانب من معايشتي لنشاط الفرقة السيمفونية بمقرها القديم خلف شارع النضال، وحفلاتها المشهودة التي كانت تضيء ليالي بغداد، ورحلاتها الى الخارج زمنذاك. ضمَّنت المقال الامتنان لأعلامِِ مثله ومن اقرانه كانوا خير عون في مهمتي.

حصل ذلك في وقت متأخر من سني غربتي، وبعد انتمائي لفضاء ازرق جعلني أعثر على صفحة عبد الرزاق بالفيس بوك. لاكتشف انه يمر في بدايات وضع صحي صعب يحاول تجاوزه عبر ومضات متصلة عن عازفين صغار ، “يجمعهم” من جنسيات مختلفة. ينشر فيديوهات لهم على الفيس بوك، وكأنه يداوي جرحا قديما لم يندمل في داخله، رغم انه ابدى شجاعة كبيرة في تخطي تلك المأساة من خلال الاصرار على مواصلة العمل مع ظروف الحرب ومآسيها وما خلفته من آثار، وحتى بعد تقاعده عن الموسيقى العسكرية 1991.

قرات عنه والفرقة موضوعا نُشر خلال فترة غيابي عن الصحافة قال فيه ان الحياة يجب ان تتقدم. وانه يجد في الموسيقى عزاءً من التراجيديا الشخصية ومن الازمة العراقية “الحصار وما بعده” على حد سواء. وانه كان يؤدي “كونشرتو” واحدا كل اسبوع بعد ان فقد طفليه! وعرفتُ ايضا انه صار امينا عاما لجمعية الموسيقيين ورئيسا لاتحادهم.

هكذا كان عبد الرزاق العزاوي، هكذا عرفته. وما انشره اليوم لا يشكل سوى نقطة في بحر عطائه وسيرته. نشاط دائب ومواقف اثيرة تسجل له بفخار طوال المدة التي شهدتها علاقتنا وحتى بعد اعتزالي الصحافة صيف 1990. اطلعتُ على نشاطات عديدة له، ومنها دعم الشباب وتشجيعهم على الانخراط بالموسيقى العسكرية والفرقة السيمفونية التي تولى قيادتها في زمن الحصار، وفي زمن “التغيير” الذي شهدته البلاد في 2003.

وفي 2003، وبعد اسابيع من عودتي الى الصحافة، شاءت الصدف “العراقية” ان التقيه مرة واحدة وعلى عجالة في مقر جريدة “الصباح”، دون ان اعلم انها ستكون الاخيرة في ختام زيارة له بصحبة شخصين او ثلاثة للراحل اسماعيل زاير رئيس التحرير. لم اره بعدها. لم احضر الا مناسبات موسيقية خجول لا تُذكر، لان الحضور الاكبر كان للخوف والقلق، وتفجيرات وجرائم كانت الاكثر دويا وطغيانا.

وخلال مدة اقامتي في دمشق تناهى الى سمعي انه موجود هناك ايضا. ولكن بعد فوات الاوان للاسف. اذ انني كنت غارقا في حالة اشبه بالاستنفار وقتذاك محاولا التوفيق بين عملي لستة ايام في الاسبوع  مع مؤسسة “الايام” الاعلامية العراقية بدمشق وارسال واجباتي الصحفية الى “الصباح الجديد”، وبين استكمال معاملات الهجرة وحزم الحقائب الى وجهتي الاخيرة كندا.

في الاسابيع القليلة الفائتة، كنتُ في انتظار اتصال ما من عبد الرزاق العزاوي، او رسالة تنقل لي بعض المعلومات عن مشروع فرقة العود ذاك عندما لمس اهتمامي بالعودة اليه خلال آخر مكالمة بيننا وكنتُ انا المبادر باجرائها. فقد اصر على نبش ارشيفه رغم محاولتي ثنيه بسبب وضعه الصحي، وانني لا اريد ان اثقل كاهله بامر مضت عليه كل هذه العقود.

مقالات ذات صلة