تَراتيلُ الفَجْرِ المُؤَجَّلِ


*
في المدينةِ التي كانت تُضيئُها الحكاياتُ قبلَ المَساءِ،
مرَّتْ جيوشُ الغُبارِ،
تَعْلُو صفيرَ الرَّصاصِ على تَرتيلِ الأُمَّهاتِ،
وتَسقُطُ النوافِذُ كأنَّها شَهَقاتُ بُيوتٍ مَذعورةٍ،
والأبوابُ تَصرُخُ: لا أَحَدَ في الدّاخلِ
غيرُ صَدى الأنفاسِ الأَخيرةِ.
رأى الطِّفلُ ظِلَّهُ يَهرُبُ مِنهُ،
يَتعلَّقُ بعباءةِ أُمِّهِ التي احترقَتْ في مُنتصفِ النِّداءِ،
رأى ألعابهُ التي كانتْ تَصحُو مَعَهُ كُلَّ صباحٍ،
تَتَحوَّلُ إلى نَثَارٍ لهُ رائحةُ اللَّوزِ المكسورِ.
سقَطَ في ذاكرتِهِ حَجَرٌ،
ثمَّ آخَرُ… ثمَّ آخَرُ…
حتّى صارَ الحُطامُ جَبَلًا يَنامُ عليهِ صَمتُهُ الطَّويلُ.
في الفوضى التي تُشبِهُ نَشيدًا مِن كَوابيسَ،
كانَ الجُنودُ يَعبُرونَ الشَّوارعَ كظِلالٍ بلا وُجوهٍ،
والسَّماءُ تَبتَلِعُ أَصواتَ الطُّفولةِ،
لِتَقفِزَها رَمادًا فوقَ خَرائط تَمَزَّقَتْ في جُيوبِ القَتلى.
حَتّى العَصافيرُ، تِلكَ التي كانتْ تُعلِّمُ الرِّيحَ أَسماءَ الزَّهرِ،
حَلَّقَتْ بلا أَجنِحَةٍ…

كأنَّها تُهاجِرُ مِنَ المَعنى إلى اللّاشَيءِ.
لكنَّ الطِّفلَ… لَمْ يَبكِ.
لَمْ يَسأَلْ أَحَدًا عنِ الغِيابِ،
كانَ يَخطُّ على الجِدارِ المَكسورِ دائِرَةً،
ثمَّ يَضَعُ فيها نُقطَةً،
ثمَّ يَرسُمُ مِنها شَمسًا،
ويَكتُبُ تَحتَها:
“سَتَعودُ الحَياةُ حينَ تَنامُ البَنادِقُ.”
تَسَلَّلَ الضَّوءُ مِن بَينِ الأَصابِعِ التي كانتْ تَرجُو،
ورَأى في المَدى نَهرًا يَشُقُّ الرَّمادَ كأنَّهُ نُبوءَةٌ،
وقالَ في نَفسِهِ:
“كُلُّ هذا الخَرابِ دَرسٌ في مَعنى النُّهوضِ،
وكُلُّ صَرخَةٍ هيَ حَجَرٌ في جِدارِ الغَدِ.”
مَرَّتِ السُّنونُ على وجهِهِ الصَّغيرِ كجَرافَةٍ مِنَ الوَقتِ،
كَبِرَ الطِّفلُ…
صارَ يَحمِلُ في صَوتِهِ نَغمَةَ الَّذينَ سَقَطوا،
وفي عَينَيهِ خَريطَةُ المُدُنِ المُدَمَّاةِ،
وفي يَدِهِ قَلَمٌ مِن ضوءٍ،
يَرسُمُ بِهِ نَهارًا جَديدًا على جَسَدِ الظُّلْمَةِ.
ومِن بَينِ أَنقاضِ المَعنى،
انبَثَقَ لَحنٌ خافِتٌ… كأنَّهُ صَلاةُ الأَرضِ حينَ تَستَعيدُ إيمانَها،
لَحنٌ يُوقِظُ في الصَّمتِ نَبضَ الينابيعِ،
ويَقولُ:
“يا أَرضُ، إنَّ الطُّفولَةَ باقِيَةٌ ما دامَ فينا
قَلبٌ واحِدٌ يَرفُضُ أَنْ يَموتَ.”
وهَكذا،
حينَ عادَ النُّورُ مِن مَنفاهُ،
كانتِ المدينةُ تُرمِّمُ وَجهَها مِن أَنينِها،
وكانَ الطِّفلُ – الذي صارَ رَجُلًا –
يَكتُبُ على جِدارِ المَدرَسَةِ الأُولى:
“مِنَ الرَّمادِ يُولَدُ النَّشيدُ.”





