أدب

قصيدة تجليّات داخل حسن  لحميد سعيد

ما يميز هذه القصيدة الجديدة لحميد سعيد حول داخل حسن هو  شجوها وشجنها وإحساس الشاعر الشخصي بعمق الوجع العراقي الذي ما زال يجد في هذا الصوت تجسيدا للأسى العراقي المقيم. وكذلك فهم القصيدة العميق لطبيعة هذا الرجل إنسانا ومغنيّا ضمن السياق التاريخي والاجتماعي الذي ظهر فيه وعبّر عنه، فضلا عن العلاقة الخاصة التي سترد الإشارة إليها بين الشاعر والمغني . فداخل حسن لم يكن مجرد مغنٍ عابر في تاريخ العراق والمنطقة، بل حالة شعورية قائمة على الشجن والحزن العراقي الجنوبي المعتّق.

وإذ تلتقط القصيدة هذا الموضوع بدقة وتؤكد عليه في الحال الراهنة التي يعيشها العراقيون، فلأنه ليس حدثا طارئا أو شخصا عابرا، بل هو جوهر التكوين الخاص بهذا المغني ضمن البيئة التي ظهر فيها بحنجرته الخاصة وموهبته التي شاركت الطبيعة في صنعها كما تصنع اصوات الطيور والحيوانات طبيعية. موهبة صافية لا توجد عند غيره من العراقيين والعرب: مساحة صوت وعمق تعبير  وكمية حزن لا مثيل لجمالها وحلاوتها. والتعبير: “يتعلم منه الغناء الغناء” يشير إلى ذلك، كأن داخل حسن هو الأصل في كل غناء على نمطه، والباقي فروع.

ومن ميزات هذه القصيدة أيضا تحويل السيرة وتحرّك الرجل في فضاءاتها المكانية  إلى رموز…الناصرية، النهر، المواويل، التنقل بين كرخ بغداد وحلب؛ وهي ليست توثيقًا جغرافيًا فقط، بل خريطة لانتشار الصوت الشعبي العراقي في مساحة مكانية وزمانية واسعة، يتحول فيها هذا المغني الريفي من شخص جنوبي بسيط إلى فضاء غنائي كامل.

أما المرأة فيأتي ذكرها في القصيدة  بوصفها ذاكرة، وخيالا بعيدا لا جسداّ. وعلاقة داخل حسن معها كما تصفها كلمات أغانيه  ليست عابرة، بل هي الأصل العاطفي الذي يتكرر ولا يُستعاد، أو يحقق حضوره الحسّي و الواقعي الملموس. وكأن المرأة المطلوبة والمبحوث عنها في الأغنية كيان أثيري تختلط الإشارة إليه بمجموعة من الوقائع الاجتماعية والحياتية الضاغطة.

وهو ما يتطابق مع روح الغناء الريفي العراقي، حيث الحبيبة بعيدة، غائبة أو مفقودة، ومستحيلة. وامرأة داخل من نمط خاص دائما يكفيه فيها أن يمر به حين يغفو شذاها.

 وبناء النص يبدو دائريا من الناحيتين الشكلية والدلالية، فعودة المغني الشيخ إلى مدينته الناصرية في آخر المطاف واحدة من أجمل حركات القصيدة؛ حيث البداية حلم، والنهاية استعادة لهذا الحلم،  بعد أن مرّ على المغني عمر كامل عاشه كما عاشه الشاعر المستمع إلى المعني المُسمِع. وكأن الشاعر يقول ضمنيًا إن الفن لا يمنع الفقد، لكنه يمنحنا طريقة للعيش معه فيما تبقى لنا من الوقت. في حين تمزج لغة القصيدة بين الفخامة والبساطة… الفصاحة والروح الشعبي، الذي يتناسب مع طبيعة الموضوع وصاحبه المغني الشعبي المعروف. والقصيدة ليست عامية، لكنها مشبعة بروح الموال الشعبي. وهو توازن صعب في صناعة الشعر ، أي أن ترتفع بالرجل وبصوته، وتنزل إلى مستواه في الوقت نفسه،  في حركةٍ متموجةٍ تموّجٓ الموّال في بداياته المتدرجة وصعوده الآسر . وقد نجح  حميد سعيد في وصفه بحيث تشعر  أنك تقرأ شعرًا حديثًا، لكنك تسمع صوت الموال وأنينه وهو يسري خلف الكلمات. فيما تأتي الفراغات التي تملأها النقاط لتشير إلى مساحات لا قبل للسرد بإدراجها وملئها في القصيدة،  وعلى القارئ الأريب أن يتدبر  ما بقي من حكاياتها وإشاراتها التي لا يفهمها غير الراسخين في الشجن العراقي الجنوبي.

ولعل التكرار في بعض مقاطع القصيدة وكلماتها المعتمدة أساسا على ثيمة الحزن الملازم ، والمتناسب مع شخصية داخل حسن، أن يضطر القارئ إلى أن يطرح السؤال عن السبب في هذه الإعادة داخل القصيدة قبل أن يدرك ،مع إعادة القراءة، أنها ليست علامة ضعف بقدر ما هي عملية مقصودة لمحاكاة إيقاع الموال نفسه، حيث التكرار جزء من طبيعة اللحن في الكلمات المغنّاة، هذه الكلمات التي تبدو قليلة وضئيلة إلى جانب فخامة الصوت ومساحته الآسرة وقوة التأثير فيه.

الكلمات في غناء داخل حسن لا تمثل دالا يحيل إلى معنى ومدلول، بل تجسيدا للصوت بما هو ، وليس بما يريد أن يقول.  وصوت داخل حسن كما يؤكد المختصون بالموسيقى والغناء عندنا هو الصوت الأصعب بين الأصوات المختلفة على تميزها وخصوصية الأداء فيها. فهناك الصوت الذي  يعتمد المنخر للأداء الغنائي، مثل صوت حضيري أبو عزيز قرين داخل حسن وصاحبه, وهناك الصوت المضخم مثل صوت سعدي الحلي, لكن الصوت الأصعب أداءً هو الصوت الحنجري، الذي ينطلق من حنجرة المطرب، ولا يتميز به لدينا سوى المطرب داخل حسن.

القصيدة’ كما نرى، ليست فقط عن داخل حسن المغني الشعبي العراقي الراحل، بل أيضا عن كيفية تحوّل الحزن الشعبي المتأصل في هذا الصوت النادر  إلى لحن وفن وكيان غنائي مسجل وخالد، وكيف يترجم الشاعر بالحديث عنه  تلقي العراقيين لهذا الفن الذي مثّل وما زال يمثل جانبا من مشاعرهم وأحاسيسهم وحالاتهم حين تبلغ أقصى أفراحها وأتراحها.

ولعل المقطع الأخير من القصيدة الخاص بالعلاقة الشخصية التي ربطت الشاعر بداخل حسن الإنسان والمغني أن تكون هي الأكثر تأثيرا، حيث يقابل اغتراب الشاعر  فقدُ المغني الذي لا يمنع من إدامة التواصل عبر  الصوت الباقي والذكريات

مقالات ذات صلة