رأي

التغيير يبدأ من “الناس”..واختزال الوطن في “رجلٍ” حُلُمٌ بات فاسداً..  

       ثمّة زعيمُ بلدٍ، كانَ يردّدُ بين الناس “الوِحْدة بقائدها”، مع أنّه لم يخدم في سِلك العسكرية، ولا ساعةً من نهار، قبل أنْ يتولّى الزعامة في بلدهِ، لكنّه علّمَ نفسه منذُ صغرهِ على “ضبطٍ وربطٍ” من نوعٍ آخر، ظانّاً أنه هو “ملاذُ” الناس، والبلد، أو “القُطْرُ” بدقيق تعبيره، وإيمانه، بل الأمة بأسرها، إلا أنّ الظنون شيءٌ، وما جرى للدنيا إبّان وجوده وبعده، شيءٌ آخر!.

      فهل مبدأ، أو شعار “الوحدة بقائدها”، ما فتئَ صالحاً للعمل به؟!.. بمعنى محدّدٍ لا لبسَ فيه: “لو أمسك بالبلد، (وما أدراك ما البلدُ الآن)، قائدٌ من طراز الشعار إيّاهُ، هل يقوى على النجاح بمهمّته؟!..هل تُصغي له “الجيوش”المُنبثّة في شبكة الحياة الاجتماعية؟!.. هل ترتاحُ لوجوده الأحزابُ السياسية؟!.. هل تقبل به العشائرُ، ومراجع الدين وتشكيلاتها الطقسية الشعيرية، وزعامات المافيات، والميليارديرية الذين، “حزّموا” أنفسهم، وأهليهم، بألوية “حمراء” تقيهم من كل سوء؟!!.. أين ستذهب “الأحقاد”، “مصالح المال”، “أطنان المخدرات ومزارعها”، وأين..أين حتى ليُمكنكَ الحديث بيسر عمّا تحت الأرض من “شياطين” لا يعلمُ “خططها” إلا الراسخون في “علوم الأسرار”!!.

     إذن فـ”التغيير إيّاه”، بهذا المستوى الذي تحدّثنا عنه، والذي يحلمُ به كثيرون، مستحيلُ الجدوى!.. فماذا لو حدث، افتراضا، وطبقاً لسيناريو شبيهٍ، بالذي نُفّذ في سوريا؟!! المُتَصَوّر، أنّ البلد، سيتشظّى إلى “بلداتٍ”، بهيئة جمهوريات، أشدَّ بُؤساً من “جمهوريات الموز” سيئة الصيت في أميركا اللاتينية. فما هي أسس فهم التغيير، ومستحيلاتهِ؟!

       في البدء، نحن اليوم في عالم غير العالم الذي كُنّا نعيشه قبل ربع قرن.. لم يعُد استقلال البلدان، يُعرفُ بالمنهج الذي كانت عليه دنيا الأمس. ثم أنّ “الشرق الأوسط” تحديداً درات به دوائر السوء، وصار “أوهن” منطقة جيوسياسية في العالم، من حيثُ قدرة شعوبها على حماية “مقدّساتها”، أرضاً، سيادة، وعقائد!.

     ولهذا يجب أنْ ينطوى المنهج الجديد في فهم “التغيير” على محاولة لاستيعات محرّكات الأزمة، والتعامل معها بجدّية، وتطوير إمكانات ذاتية، تحقق هدفين رئيسين قبل كل “تغيير”، أولهما زيادة مناعة استمرار البلاد، بحدودها الوطنية الجغرافية المعروفة، ثم البحث في حلول جذرية، لأزمات، الكهرباء، الماء، الفساد المالي، المخدرات، الجيوش السرية والعلنية، التخلف الاجتماعي، الأمية، شيوع ظاهرة عدم احترام القانون، غياب العدالة الاجتماعية، التمييز الطائفي والعِرقي والديني، شبكات التجسس، التدخلات الخارجية “غير المسوّغة”! الخ   

     إنّ كلاماً كثيراً يمكن أن يُقال بهذا الصدد، لكنّ المهم، أنْ يكون هناك اتّجاه عام يحترم جميع الناس في البلد، يحترم جميع الأفكار، والقيم الخيّرة، ولا يمس كرامات الأديان، بسوء، بمعنى: كُلُّ الناس مهما اختلفوا، وتباينوا، هم خلقُ الله، ولدتهم أمّهاتهم أحراراً!.  

    إنّ ما قدّمناه، ينطوي على نقد عميق لفكرة الزعيم المنقذ، بتسليطِ الضوء على وهم “الشخصنة السياسية” في عالم لم يعُد يحتمل الزعامات الفردية المطلقة، فشعار “الوحدة بقائدها”، فقدَ صلاحيته في ظلّ تعقيدات الواقع المعاصر، حيث تفقد الدولة التقليدية مركزيتها أمام قوى متداخلة: الجيوش، الأحزاب، العشائر، المافيات، المال، والمصالح العالمية.

      إنّ التغيير الحقيقي ليس في استبدال شخص بآخر، بل في وعي جماعي يتفهم بِنية الأزمة بعمق، ويؤسّس لمنهج إصلاحي شامل، يعالج جذور المشاكل لا قشورها. التغيير الفعّال، يستلزم بناء دولة مؤسسات لا دولة أفراد، دولة تُبنى على العدالة، احترام القانون، المساواة، ومحاربة الفساد البنيوي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقالات ذات صلة