أدب

شطحات سُكر الروح

نص: عبد المنعم حمندي

يَقُولُ شَيْخُنَا الْجَلِيلُ: كُلَّمَا انْمَحَتْ حُدُودُ الرُّوحِ شَعَّ فِي السَّمَاءِ بَارِقٌ بَيْنَ الرُّعُودِ مُعْلِنًا: أَرْوَاحُنَا مَرْهُونَةٌ لِلْغَيْبِ، وَالْيَقِينُ فِي أَنْوَارِهَا يُذِيبُ شَكَّ دَوْرَةِ الدِّمَاءِ فِي الأَنْهَارِ وَالتُّرَابِ.

​    يَا كَمْ غَدَا شَكِّي بِهِ حَائِرًا فِي المَوْضِعِ المَرِيبِ! أَحْيَا بِهِ الأَرْضَ، فَهَلْ بِمَوْتِهَا يَسْتَنْفِرُ النُّشُورُ؟ لاَ يَرْتَجِي مِنَ الْحَيَاةِ نَبْضَةً تَفِيضُ مِنْ زُجَاجَةٍ فِيهَا السَّنَا، وَالْمَوْتُ لَيْسَ غَيْرَ حَالَةٍ تُنَشِّطُ الرُّوحَ لِكَيْ تَعُودَ لِلْبَهَاءِ.

​     قَدْ كُنْتُ فِي دَوَّارَةِ الْفَنَاءِ أُحَاوِرُ الدِّرَارَ فِي دِرَايَةِ النُّصُوصِ، فِي تَقَلُّبِ الْفُصُوصِ، لَوْ دَرَى النَّدَى! أَقُولُ: هَلْ وُجُودُكُمْ ظِلٌّ لِفِكْرٍ يَهْتَدِي بِعَتَمَةِ الأَزَلِ؟ وَهَلْ تَرَى بَعْدَ الشَّهِيقِ يَصْمُتُ التُّرَابُ؟ أَمْ أَنَّ سَاعَةَ النُّشُورِ لاَ تَدُورُ حِينَ لاَ تَطِيرُ فِيهَا عَقْرَبٌ؟

​     غَرِقْتُ فِي ذُهُولِهَا.. فَلْتُغْلِقُوا الأَبْوَابَ وَالنَّوَافِذَا كَيْ لاَ تَمُرَّ الرِّيحُ وَالْعَوَاصِفُ، مَا زَالَ فِي عُيُونِكُمْ رَجَاءُ دَمْعَةٍ مِنَ الْعُيُونِ فِي أَشْرِعَةٍ مِنَ الضِّيَاءِ تُشْعِلُ النِّيرَانَ فِي الزَّوَابِعِ.

​      غَابَتْ عُيُونُ الشَّيْخِ فِي ارْتِجَافَةِ السَّرَابِ كَيْ يَصُوغَ مِنْ حَسْرَتِهِ أَسْئِلَةً تَبْحَثُ عَنْ نَفَّاخَةِ الصُّورِ، فَلاَ مَلاَكَ فِي الْمَقَابِرِ. تَجَمَّدَ الْوَقْتُ، وَإِسْرَافِيلُ لَمْ يَشْعُرْ بِوَحْشَةِ الْمَكَانِ وَالذُّهُولِ.. مَنْ سَيُوقِظُ الْمَوْتَى مِنَ الْقُبُورِ؟ كَيْفَ يَنَهَضُونَ؟

     أُسَائِلُ الأَكْوَانَ فِي سُكُونِهَا عَنْ كَائِنَاتٍ غَابَرَتْ: أَيْنَ الْمَسَارُ والـتَّابُوتُ يَرْتَدِيهِ كُلُّ شَيْءٍ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْسِلَ الْمَوْتُ وَلاَ وُجُودَ لِلْحَيَاةِ؟ أَهَلْ نَعُودُ، أَمْ أَنَّنَا نُعَادُ كَالشُّعَاعِ فِي ضَجِيجِ عَالَمٍ جَدِيدٍ؟

    فَكُلُّ حَبَّةٍ مِنَ التُّرَابِ كَانَتْ نَبْضَةً، وَكُلُّ آهَةٍ سَمِعْتُهَا سِرٌّ دَفِينٌ يَبْحَثُ عَنِ الْبَقَاءِ فِي خُلُودِ الْجَوْهَرِ. أَيْنَ الْمَصِيرُ حِينَ يَنْتَهِي الْمَطَافُ وَيَسْقُطُ الْحِجَابُ عَنْ نُفُوسِنَا؟ لِلْكَائِنَاتِ كُلِّهَا عَوْدٌ إِلَى النُّورِ الَّذِي عَمَّ الْوُجُودَ. كُلُّنَا نَغُوصُ فِي أَبَدِيَّةٍ لَيْسَتْ لَهَا نِهَايَةٌ!

    وَالأَنْفُسُ الْمَذْعُورَةُ الدَّوَّارَةُ امْتَدَّتْ كَظِلٍّ خَائِفٍ تَطُوفُ حَوْلَ الرِّيحِ وَالْعَرَارِ.. هَلْ تَعُودُ لِلْيَقِينِ؟

​يَا أَيُّهَا الشَّيْخُ الَّذِي عَاشَ الدُّنَا بِطُولِهَا، فَهَلِ اخْتَبَرْتُ حَدْسَكَ؟ وَرُبَّمَا عَرَفْتَ أَيْنَ عُشْبَةُ الْخُلُودِ كَيْ تُجْتَرَحَ الأَوْهَامُ فِي الْقِيَامَةِ مِنْ حُلْمِكَ الْقَدِيمِ.

​أَنَا أُغُوصُ تَحْتَ جِلْدِهِ الصَّبُورِ كَيْ أَرَى ارْتِعَاشَةَ الدُّهُورِ فِي دِمَائِهِ، وَأَسْتَقِي الْحِكْمَةَ مِنْ أَنْوَارِهِ فِي الذَّارِيَاتِ، نَرَى ضِيَاءَهُ بِقُلُوبِنَا وَبِالخُشُوعِ ذَاتِهِ. وَقَالَ لِي: سُبْحَانَهُ مُتَفَرِّدٌ بِعِزِّهِ وَبِهَائِهِ، مَنْ يَرَهُ يَرَ الكَمَالَ كُلَّهْ. يَا لَيْتَنَا نُصْغِي إِلَى آيَاتِهِ فِي سَكْرَةٍ تُنْعِشُنَا!

​كَالنَّايِ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَحْشَةً غَرِيبَةً. سَأَلْتُ صَدَاهُ، نَجْمَهُ الْمَشُوبَ بِالظُّنُونِ: كَيْفَ أُثْمِلَتْ وَمَا سَقَتْ أَرْوَاحُنَا أَحْبَابَهَا مِنْ خَمْرَةٍ؟ تَأَلَّقَتْ عُقُولُنَا وَأَطْلَقَتْ فِي الْعَتَمَةِ الْعَقَارِبَ!

​النَّارُ أَنْتَ، كَيْفَ تَخْشَى جَمْرَةَ الشَّرَارِ؟ مَنْ جَاءَهَا مُبْتَرِدًا لَنْ يَحْتَرِقَ، أَنْتَ تَرَى مَا لاَ يُرَى وَنَارُكَ لاَ تَنْطَفِئُ!

​نَظَرَاتُكَ تُحَارِبُ الْجِهَاتِ كُلَّهَا، وَمَنْ يُعِيدُ شَهْقَةَ التُّرَابِ؟ يَفْحَصُ الأَثَرَ، وَيَسْتَحِي مِنْ لَهْفَةِ الْحَجَرِ؟ فَمَا مَصِيرُ الرِّيحِ فِي دَوَّامَةِ النُّشُورِ؟ مَا مُسْتَقْبَلُ الْكَوَاكِبِ، وَأَنْتَ بَيْنَ وَاحَتَيْنِ؟

​يَا لَهَا مِنْ لَحْظَةٍ تَسْتَنْفِرُ السَّرَابَ، كَيْ لاَ تَصِيرَ بَرْزَخًا بَيْنَ النُّشُورِ وَالْعَدَمِ!

​عبد المنعم حمندي

23-7-2026

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق