الخديعة والتخفي بقناع الوطنية..




أنا لا أعترض على الرأي أياً كان مصدره، إنما أقول إننا عندما ندعو للتغيير والاصلاح علينا أنْ نكون جزءاً من منظومة فكرية إصلاحية منتجة، تؤطرها القيم الوطنية والانتمائية، وأن نكون متفاعلين ومنسجمين في الرؤية والاستنتاج، وأن نتعامل مع الوطن بموجب الضمير الحي والاندفاع الحقيقي للتغيير. وهذا للأسف لم يحصل، وكان الخط الرديف السيء هو كثرة الأصوات النشاز ممن يدعون أنفسهم بالسياسيين المحنكين الّذين يصدّعون رؤوسنا بتصريحات وادّعاءات تأتي يومياً على وفق ترتيب واضح ومنسق بين تلك الشخصيات الهجينة والفضائيات المسيّسة التي تدفع من دون أن تعرف نتائج تلك الدفوعات ، ومن هو الذي يستحق أنْ يقبض .

تنظيرات لامعنى لها ، وتصريحات جوفاء ، وتحليلات هزيلة كلها تنطلق من عقول منحرفة تتحكم بها نوايا شريرة تنشد الوصول الى اهداف تدميرية لا يهمها مصلحة العراق بقدر ما تريد ان تحققه من غايات ذاتية ومصالح شخصية ، تصاغ فبركتها ضمن الادعاءات الزائفة بأسم الوطنية التي غالباً ما تؤطرها طروحات لا تنسجم مع الواقع المعاش وليس لديها القدرة الاصلاحية بمفهومها الوطني ، والأهم من ذلك ، أن مجمل ما يقال وما تبثه بعض الفضائيات من تصريحات لمن يتحدث باسم الوطنية لم يبتعد إطلاقاً عن توجيه اللوم والانتقادات متمسكاً بالاعتراض والرفض لكل ما يمكن ان يشكل بداية لمنطلقات ربما ستكون اكبر فيما لو اتيحت لها الفرص لكي تغنى بالحوار والمناقشات .
والمثير للشك في النوايا التي يزعم أصحابها أنها منطلقة من الشعور بالوطنية فعندما تنتقد لم تقدم البديل الأفضل الذي يمكن أن يؤسس لمراحل التطور والتغيير الذي نبغيه جميعا لما يمكن ان يفيد البلد والشعب ، انما هو كلام غوغائي مدفوع الثمن لا طائل من ورائه إلّا الندم يوم لا ينفع الندم .

من جانب آخر ، فالطبقة السياسية معنية بهذا الأمر أيضاً. نحن في وقت أصبح لزاماً علينا أنْ نراجع تجربة السنين التي مضت منذ 2003 ولحد الآن ، وأنْ نحدد بالدقة والتفصيل حجم الأخطاء التي أحاطت بتلك التجربة ، لا ينبغي أنْ تأتي التصريحات والتنظيرات من قبل ساسة البلد وفق سياقات المرحلة الحالية ، لأنها أساساً امتداد او انعكاس للمراحل السابقة التي كانت فيها مفردة الوطنية غائبة أو مغيبة ، وحلت محلها عدة مفردات منها المصلحية والانتهازية والطائفية والمحاصصاتية والمحسوبية ، والحديث كان يجري انذاك بل ولحد الان عن الوطنية كاتجاه للتغطية على مفردات السوء التي طغت على التجربة السياسية وانحرفت بها نحو الهاوية مخلفة وراءَها طبقة سياسية متهالكة ومتشبثة باداعات فارغة وطروحات عقيمة استمرت ليومنا هذا لكون تلك الطبقة لم تنظر الى الوراء وما خلفته من سوء من أجل الاصلاح وتجاوز الأخطاء السابقة بحيث فقدت القيمة الوطنية هويتها وعمقها وهيبتها واصبحت مفردة بائسة تتداولها السن السياسين في كل المناسبات والتصريحات ، وصار البعض الكثير من السياسيين أبطال ومنظري القنوات الفضائية المنحرفة والتي تتصيد في الماء العكر دون رقيب أو مسائلة.
فالوطنية ، لمن يفهم معناها، هي قيمة تتأسس في عمق الروح الانسانية من تراكمات التجربة الحقيقية والصادقة ومعاناتها في مساحة الانتماء للوطن والانحياز للشعب ، وهي ثورة ضد كل الظلم والاستبداد والتعسف ونموذج حي للاهداف الانسانية التي تنتفض ضد السياسات المنحرفة والسيئة التي تهمين وتضطهد الانسان والمجتمعات ، وبعكس من لا يفهم هذا المعنى ، فمصيره السقوط باسم الوطنية في الهاوية ، وغالبا ما نجد الكثير من السياسيين وهم يغلفون نياتهم وأهدافهم الشريرة والفاسدة بغطاء الوطنية او قناعها كمفردة سهلة التداول متصورين انها ستترك أثراً فعالاً في نفوس الجماهير لاغراض الكسب واستخدامهم كرصيد في الانتخابات , دون ان يدركوا ان جماهير اليوم وبالاخص بعد التظاهرات التشرينية المنتفضة قد استوعبت سخف وضحالة تجربة العقدين من الزمن التي مضت دون ان تحقق ولو الحد الادنى من التغيير والاصلاح ، مدركة انها وقعت ضحية الاعيب ومكر وكذب الساسة وتلاعبهم بالالفاظ والمفردات التي كانت وما تزال تقال لمجرد الاستهلاك والادعاء ، واصبح لها فضاء حتى في مجلس النواب .

ففي الكثير من تصريحات النواب نجدها متخمة بمفردات توحي بأنهم مع الشعب ويقدسون الوطنية والانتمائية ويتغنون بحب العراق ، لكن ذلك ومن خلال التجربة لم يكن صحيحاً والممارسات أثبتت ذلك ولا داعي لخوض التفاصيل ، لأنها أصبحت معروفة ومشخصة، وهي التي أسست لمنهج مرتبك غير واضح المعالم ويخلو من الافكار والمبادرات التي تتلاءَم وتتواءَم مع المراحل ، فليس من المعقول وبعد اكثر من عشرين عاماً لم تتغير الحركة السياسية ولم تتطور بل إنها في حقيقة الأمر لا تنسجم ولا تتفاعل مع تغير المراحل ومستجدات البنى الاجتماعية والفكرية وبقيت راكدة غير متحررة من جمودها الذي طغت عليه الرتابة والسذاجة وكأن البلد يسير بعكس الاتجاه كما هو حال مسار الطبقة السياسية التي كل ما استطاعت ان تفعله هو الحفاظ على ارتداء قناع الوطنية كي تحمي نفسها من كشف جهلها ومحدودية تفكيرها وعدم قدرتها على النمو والتجديد مستعينة بالخديعة لاقناع الناس وايهامهم بتحقيق مطالبهم ونصرة المظلوم منهم عبر سلسلة من التصريحات والوعود الفارغة المليئة بالاكاذيب المكررة والتي تتلاعب بعقول الناس ودغدغة عواطفهم ، وهذا غالبا ما يحصل متزامناً مع بدء الانتخابات والتي شهدت هي الاخرى انتكاسات كبيرة ومتغيرات تفرضها أجندات الاحزاب والكتل السياسية بما يخدم مصالحها ويوفر لها البيئة الخصبة للسرقة والفساد والتلاعب بمصير البلد من خلال افتعال الازمات التي تعرقل المسيرة التي يتراجاها العراقيون ان تنهض ، ولكنها تتعرض للاجهاض وربما القتل حالما تبرز بوادر للانفراج تزعج وتبعثر مصالح الدول الاقليمية التي تحيط بالبلاد .





