سوالف صحفية: علم من أعلام الصحافة العراقية، ورُوّادها:”عبد اللطيف حبيب”..




ولد عبد اللطيف حبيب في نيسان عام 1910 في مدينة عنه بلواء الدليم، محافظة الأنبار لاحقاً وتوفي في بغداد في الحادي عشر من شهر تشرين الثاني عام 1986.
ودرس في كتاتيب عنه ثم أكمل تعليمه في جامع الحيدرخانة عندما انتقلت عائلته الى بغداد واشترى والده داراً في منطقة الحيدرخانه، ثم درس في الاعدادية المركزية حتى الصف الرابع عام 1937.
وتخوّله دراسته آنذاك التوظف في وزارة العدلية ، وزارة العدل فيما بعد ، بدرجة باش كاتب وتنقل في المدن العراقية حتى نقل بعد الحرب العالمية الثانية الى محكمة الموصل ثم زاخو في شمال العراق وأقام وعائلته بعد الحرب العالمية الثانية في العمادية حوالي عشر سنوات أنجب خلالها أربعة من أبنائه هم أسامة وأكثم، وبنتان، هما إيلاف وألطاف.
وما زال الشقيق الأكبر حياً، ويعيش في تركيا، بينما توفي الشقيق الأصغر إيهاب في حادث مأساوي حينما أطلق زميله النار عليه خطأ عندما كانا في حراسة حي الصحفيين بمنطقة القادسية أيام أحداث أبو طبر التي عمت بغداد مطلع عام 1974.

******
سيرة حياة
وعبد اللطيف حبيب من عشيرة شمر وينتمي الى محلة جُميلة بضم الجيم ، وهي آخر محلة في عنه مع مجرى النهر وحينما تغادرها تبدأ الرحلة الى مدينة حديثة .
وقد تزوج من ابنة عمته، وطبعا هي أيضاً من عنه، وخلّفا خمسة أبناء، ذكرنا أسماءهم قبل سطور. وتداخل عمله في الصحافة مع عمله الوظيفي، إذ كان في شبابه يعمل في جريدة الاستقلال التي يقع مقرها مقابل الاعدادية المركزية مباشرة .
وترتبط عائلتا البدري السامرائية، وعبد اللطيف العانية، بأواصر مصاهرة قديمة لم يُعرف طبيعتها وهي التي أتاحت للفتى عبد اللطيف نشر خواطره في جريدة الاستقلال. وقد تدرجت علاقة عبد اللطيف بجريدة الاستقلال حتى أصبح سكرتيراً للتحرير.
وعندما توفي البدري عام 1947 ، عرض ورثته وهم أولاد عمه على عبد اللطيف تولي تحرير الجريدة وإدارتها، لكنه كما يبدو فضل البقاء موظفاً في المحاكم.

وكانت مكاتب جريدة الاستقلال مقراً لرجال الحركة الوطنية العراقية من الصحفيين مثل إبراهيم صالح شكر، وفهمي المدرس ومن السياسيين مثل ياسين الهاشمي.
وقد توقفت الاستقلال عن الصدور نهائيا بسبب وفاة صاحبها البدري عام 1947. لكن جريدة آخرى بنفس الاسم أصدرها حزب الاستقلال وكان صاحبها محمد مهدي كبة ورئيس التحرير قاسم حمودي ومدير التحرير فيصل حسون.
وفي الرابع من شهر اذار عام 1931 أصدر عبد اللطيف حبيب مطبوعه الخاص وهي مجلة الزميل التي لم تستمر طويلاً وأغلقتها الحكومة بعد أن أصدرت ثلاثة أعداد فقط.
وفي وقت غير معروف لديَّ عمل في جريدة البلاد لصاحبها رفائيل بطي وواصل عمله بعد وفاة بطي عام 1956 عندما واصل أولاده كمال وسامي وفائق إصدارها وبقي فيها حتى 8 شباط عام 1963 حين ألغى النظام الجديد جريدة البلاد والجرائد الأخرى واعتقلت أصحابها.
وقد شارك عبد اللطيف حبيب في عضوية وفد عراقي ترأسه الرئيس الأول ( الرائد فيما بعد) قاسم الجنابي المرافق الأقدم لرئيس الحكومة عبد الكريم قاسم وقضى الوفد لمدة شهر ونصف الشهر في جولته لكل المدن الالمانية آنذاك ومقابلات المسؤولين.

وعمل عبد اللطيف حبيب بمنتصف الستينيات في جريدة البلد لصاحبها عبد القادر البراك ، وربما تعرفت أنا عليه في هذه الجريدة حيث كنت دائم الزيارة لابنِ خالتي زهير أحمد القيسي وللصديق ضياء حسن اللذين كانا يعملان في هذه الجريدة التي يقع مقرها مقابل شرطة السراي قرب القشلة.
عموماً يتبنّى عبد اللطيف حبيب الأفكار اليسارية لكنه لم يكن شيوعياً اطلاقاً. ويقول أكثم أن والده لم ينتم لأية حركة سياسية او حزب سياسي. وتربطه أواصر الصداقة مع شخصيات وطنية من مختلف الاتجاهات السياسية.
والمفارقة أنّ عبد اللطيف حبيب عمل في جريدتين في أوقات مختلفةٍ لكنهما اتخذتا مكتبيهما في المقر نفسه، وهما جريدة الاستقلال وجريدة المواطن اللتان شغلتا ذلك المقر الواقع أمام الاعدادية المركزية والمجاور لمقر البريد المركزي آنذاك في الزقاق الذي يرتبط بشارع على يساره بوزارة الدفاع والمقر القديم لمجلس النواب والذي شغلته محكمة الشعب في بداية سنوات النظام الجمهوري ، حيث تقع مطبعة الزمان ومقر جريدة صوت العرب ، قبل ان تخرج الى ساحة المأمونية ومقهى الأمانة ثم زقاق فرعي يؤدي الى سوق هرج اضافة الى المدخل الأول للسوق في شارع الرشيد.
وخلال فترة المؤسسة العامة للصحافة والطباعة حينما أصبح إصدار الصحف وطباعتها وتوزيعها محصوراً بالدولة بعد كانون الاول عام 1967 التحق عبد اللطيف حبيب بجريدة المواطن ورئيس تحريرها عبد الله الملاح حتى توقفت عن الصدور بقيام نظام جديد في 17 تموز عام 1968 حينما اختارته الدولة ضمن خمسة أشخاص لإصدار جريدة ناطقة بلسان حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم.

ويقول أكثم إن الدولة اختارت والده عضواً في مجموعة من الصحفيين لإصدار جريدة بالرغم من أنّه لم يكن بعثياً ، وهم كمال الحديثي وطارق عزيز وصاحب السماوي وناجي الحديثي وكريم شنتاف
وصدرت فعلا في البدء وكان مدير تحريرها كمال الحديثي نائب أول لرئيس التحرير.
بعدها تولى عبد اللطيف حبيب تحرير باب شكاوى المواطنين ثم انتقل الى قسم الدراسات وكان راتبه 120 ديناراً. وأعتاد عبد اللطيف حبيب ان يكتب عموداً في كل صحيفة عمل فيها ، وهكذا كتب عمود “خيوط وألوان” في صفحة المحليات بجريدة البلاد ، وكذلك “أصداء ولا أصداء”، وهو عمود داخلي في جريدة البلاد قبل وبعد ثورة تموز عام 1958.
وكذلك له عمود أسبوعي في الصفحات الداخلية لجريدة الثورة بعنوان ، “يقولون والصواب”، مخصص لتصحيح كلمات شائعة يستخدمها المواطنون، وعمود “قناديل وشناشيل” في أعلى يمين الصفحه الأخيرهة لجريدة البلد.
إضافةً الى كتابة مقالات افتتاحية لبعض الصحف ومنها افتتاحية جريدة الاستقلال في 28 أيلول 1920 الموافق لغرة محرم 1332 وهي إحدى طلائع عمله في الصحافة. أو كتابةت أحاديث صحفية كما نشرت ذلك جريدة البلاد يوم الاثنين 27 آب 1959.
وروى عبد اللطيف حبيب بعضاً من ذكرياته في مقابلة له لمناسبة عيد الصحافة في العدد بتاريخ يوم الأحد 15حزيران 1969 فنجدُ أنه كان قد تلقى أول أجر له في الصحافة أربع روبيات من جريدة المدرسة عن مقال بعنوان مدرستي المأمونية عندما كان طالباً فيها.

وفي أواخر عقد العشرينيات بدأ في تحرير مجلة الرصافة لصاحبها عطا البكري الذي يصفه عبد اللطيف بأنه صديق.
ويقول إنّه لا يدري كيف وصل العدد الثالث من مجلة الرصافة الى القاهرة حين تسلم رسالة من صاحب مجلة الرغائب محمد علي حماد يكلفه برسالة أسبوعية، وكان ذلك عام 1930.
ويشتكي عبد اللطيف حبيب من أنّ رسائله إلى المجلة المصرية أهلكت جيبه لشراء الطوابع فكتب الى صاحب المجلة يطلب منه إجوراً لما يرسله فجاءه الرد بأنه سيرسل لي ( الأبونية) لتقوم مقام الأجر!
وبقي عيد اللطيف ينتظر هذه الابونية ويتساءل مع نفسه إن كانت مبلغاً مالياً او قطعة نقدية نادرة، لكنه فوجئ بأنها ليست سوى اشتراك موسمي لركوب القطار في مصر ولا قيمة لها في العراق !
ومن المؤسف أنّ عبد اللطيف حبيب وغالبية الصحفيين العراقيين الرواد لم يكتبوا مذكراتهم للأجيال التالية.
******

أكثم عبد اللطيف
وكنت أعتقد أنّ ما تعرض له الأخ الأصغر إيهاب من حادث مأساوي أودى بحياته هو الحادث الوحيد في صفوف عائلة عبد اللطيف حبيب، حتى حكى لي أكثم عمّا تعرض له على يد القوات الامريكية المحتلة من مصائب ما زال يحمل ندوبها حتى اليوم عرفت بأنني لم أستكمل القصة
فبعد احتلال العراق عام 2003 لم يسلم لا هو ولا ممتلكاته من عبث قوات الاحتلال او القوات العراقية.
وفي إحدى المرات كان على الطريق السريع خلف مدرسة بلاط الشهداء في الدورة عندما داهمته القوات الاميركية بإطلاق النار فأصابته إصابة خطيرةً فنقلوه بسيارتهم الى مستشفى ابن سيناء في المنطقة الخضراء ومكث تحت العلاج ثلاثة أيام ثم نقلوه الى مدينة الطب في بآب المعظم فأخضعوه لعدة عمليات جراحية لإنقاذ ساقه المهشمة دون جدوى حتى أوفده صديق له على حسابه الخاص الى بيروت لاجراء عمليات ترقيع عظام الساق وتعديل الأعصاب المحيطة وبقي في مستشفى اوتيجيبو لمدة شهرين خلال عام 2008 وعاد بعدها الى بغداد ويستعمل العكازة حتى اليوم .
ولإن المصائب لا تأتي فرادى ، فقد فجرت القوات الامريكية في هذه الأثناء منزله بالرغم من أنّ أحداً لم يكن موجوداً فيه وهو قد أصبح معاقاً يتحرك على كرسي بعجلات وهو يقول حاليًا أن ساقه قد أصبح مملوءاً بالبلاتين وأصبح يستخدم العكازة.
وقد أصدر كتابا خلال فترة نقاهته في القصة القصيرة أسماه (حوارات في الحب وما بعده).
وتمكن من بيع بيته المهشم واشترى قطعة أرض في الداوودي وبنى بيتاً جديداً بعد حصوله على قرض من مصرف الرافدين. وتمكن من العودة لوظيفته في دار الأزياء العراقية. أما وظيفته فقد تعرضت هي الأخرى للمطاردة من هذا الطرف او ذاك..
******

وظيفياً حصل أكثم على وظيفة كاتب في جريدة الثورة بعد تسريحه من الخدمة العسكرية ، وفي هذه السنوات في عقد السبعينيات كان طالباً في الدوام المسائي لمعهد الفنون الجميلة، وبعد تخرجه طلب تغيير درجته الوظيفية ونقل عمله الى القسم الفني ، وتدريجياً صعد السلم حتى أصبح رئيساً للقسم في بداية التسعينيات حينما اختلف مع رئيس التحرير سامي مهدي فنقله الى ديوان الوزارة .
ويقول إنه اتصل مع أمير الحلو وطلب رئيس تحرير مجلة الف باء نقله الى المجلة ، وهكذا كان. وخلال سنةً واحدة أصبح رئيسا للقسم الفني وبقي في موقعه حتى الاحتلال.
وبعد الاحتلال اشترك أكثم مع محسن خضير لإصدار ألف باء على النفقة الخاصة لكنها توقفت بعد حين عندما اغتال أذناب الاحتلال محسن سوية مع ابنته أمام دارهما في الدورة .
وفي هذه الأثناء أصدر الحاكم الامريكي بول بريمر أمره بحل أجهزة الاعلام العراقية ، وبعد قليل وافق على إعادة جميع موظفي وزارة الاعلام ودوائرها وتوزيعهم على وزارات الدولة فقد انتقل أكثم الى المسرح الوطني ثم انتقل الى دار الأزياء العراقية وبقي فيها حتى إحالته إلى التقاعد في العاشر من حزيران عام 2007.
أما الشقيق الأكبر أسامة فكان مديراً للحسابات في الشركة العامة للمقاولات الإنشائية ، وبعد الاحتلال أصبحت مثل هذه المؤسسات من القطاع الخاص ، فانتقل أسامة للعمل في وزارة الري بوظيفته مديراً للحسابات وبقي فيها حتى إحالته إلى التقاعد عام 2013 ويعيش حالياً في تركيا.
******
وهذه هي من المرات النادرة لنشر صورة المرحوم عبد اللطيف ولم يسبق نشرها لأنها كانت معدومة ومفقودة في تاريخ الصحافة العراق.
ولعلي هنا أكشف سراً يتعلق بحصولي على أكثر من صورة للمرحوم عبد اللطيف حبيب التي زودني بها مشكوريْن أكثم عبد اللطيف و الصديق رياض شابا .
ولم أرسل هذه الصورة قبل هذا النشر سوى صورة واحدة لأحد أقاربي ، بهاء زهير أحمد القيسي بعد أنْ أكد بأنه يريدها لنفسه ولن ينشرها. وها أنا أنشرهما مع هذا المقال.

عبد اللطيف حبيب ورياض شابا
كنت أطارد أية معلومات عن المرحوم الصحفي عبد اللطيف حبيب ولم أجد سوى صديق في كندا كان يطارد غيم السماء لعلها تمطر أو تزداد سوءاً فتهطل ثلوجاً.
وقدم رياض شابا لي الكثير من المعلومات الخاصة بعمله مع عبد اللطيف حبيب ودلني على مفاتيح استكمال معلوماتي حتى تصبح مقالاً لنشره كواجب عليّ تجاه ذلك الصحفي الكبير.
كانت تجربتا رياض شابا في العمل مع عبد اللطيف حبيب لمرتين في جريدة المواطن قبل 17 تموز 1968 وبعدها في جريدة الثورة مديراً للتحرير ، ولم يكن بعثياً مع أنه يعمل في الجريدة الناطقة بلسان الحزب الحاكم.
وقد أورد رياض شابا ملاحظاته مؤكداً أن المرحوم عبد اللطيف كان مهنياً ذا حسٍّ صحفي وثقافي وله قصص منشورة وكان يكتب ويراجع بعينين ضاحكتين ونظارة طبية .

وعندما كان أبو اسامة يغادر شتاء مقر الجريدة ، يلجأ الى ارتداء معطفه السميك الذي تمتلئ جيوبه بأوراق يحملها الى بيته لينجز أموراً لم يكملها في المكتب، وأتذكر أنه كان يساهم بالكتابة على الصفحة اﻻخيرة او غيرها من صفحات المواطن، وقد حول إحدى تلك اﻻوراق الى مادة جميلة يوما، تتكلم عن الخبز والراشي، قال إنه اقتطعها من قصة أو رواية له.
******
انقطعت أخبار اﻻستاذ عبد اللطيف منذ ان غادرنا مكرهين تلك الجريدة الجميلة المواطن وبعد اقل من ثلاث سنوات، وفي يومي الأول من العمل بجريدة الثورة صيف 1970 وكان ذلك بعد تخرجي من الجامعة، رأيته أمامي مديراً للتحرير، يمارس مهنته في غرفة منزوية من إحدى ممرات تلك البناية الهرمة التي اتخذتها الثورة مقرا لها على ضفاف دجلة في شارع أبي نؤاس بجوار وكالة اﻻنباء العراقية. كان مكانا ساحراً رغم كل ما يعيشه من قدم، لكنه أتاح لي العمل معه بشكل مباشر، على عكس ما حصل بيننا في جريدة المواطن.
يتمتع عبد اللطيف بحس صحفي صقلته الخبرة وأتذكر أنني التقيته فور عودتي من فندق بغداد ذات ظهيرة قائظة حاملاً مجموعة لقاءات مع وفود أجنبية وعربية حضرت للمشاركة في احتفالات ذكرى (ثورة 17 تموز) ، وما إنْ اطلع على حصيلة حصادي حتى هتف: (عظيم).. لقد جلبت خبراً ساضع منه مانشت الصفحة الأولى.
نظرت الى وجهه السعيد الضاحك منتظراً المانشت، فاذ به يوضح قائلا:
أنت اتيت بتصريح من أحد رؤساء الوفود (واظنه كان من الخليج العربي) يفيد بانه يحمل رسالة شفوية من الرئيس أحمد حسن البكر الى زعيم احدى تلك الدول.
وبالفعل وضع المانشت واغلب الظن ان الجريدة انفردت به.
ثم قال لي: اجلس..
وطلب لي فنجان قهوة التي كان يعشقها. ثم غمس إصبعه الصغير بقدح الماء أمامه، وقربها من فوهة فنجانه: إفعل مثلي.. قطرة الماء هذه تجعل القهوة اكثر صفاء ولذة. وبتُّ منذ ذلك اليوم اطبق طريقته كلما ارتشفت القهوة، واينما كان ذلك.

لم يمض زمن طويل، حتى غاب اأستاذ عبد اللطيف عن المشهد. أظنه تقاعد بعد رحلة السنين الطويلة من العمل في مهنة أمضى كل عمره فيها، مودعاً بمحبة كبيرة يكنها الجميع له.
وكان معنا في تلك الفترة حميد سعيد نائبا لرئيسالتحرير الذي لم يمكث طويلا، وقد واصلنا العملفي المكان الجديد للجريدة في ساحة عقبة بننافع، حيث تولى ناجي الحديثي ادارة التحرير.
وقررت الحكومة نقل مقر الجريدة الذي شيدته قرب قصر المؤتمرات الذي أصبح مجلس النواب بعد الاحتلال وضمن المنطقة الخضراء لصالح هيئة التصنيع العسكري.
وبعد سنوات وفي مبنى الثورة الجديد في ساحة عقبة بن نافع تعرفت على أكثم عبد اللطيف حبيب المصمم الذي أساله دائماً عن والده وينقل التحيات فيما بيننا .
في هذ العائلة تعرفت على شخصين يعملان في الصحافة: فاروق سعيد ابن عم أكثم الذي التقيته في جريدة ( الأمل) الأسبوعية لكاظم الطباطبائي لكنني لم أطل، اذ انتقلت للعمل في جريدة صوت العرب عام 1967، ووائل العاني أخو فاروق الذي عملت معه في مجلة اﻻذاعة والتلفزيون التي كان سكرتيرا للتحرير فيها وأظنه استمر بعض الوقت حتى عندما صار اسمها فنون. وكان مترجما جيداً عن اﻻنجليزية والمجرية.
ما زلت اذكر حضوري عزاء الراحل أبي اسامة في بيتهم بمكان ما من الكرخ. كان مساء حزينا جعلني استحضر صورا ومحطات من حياة صحفي وانسان لن أنساه ابدا.
******
وختاما أعرب عن الامتنان لكل من تعاطف مع استفساراتي حتى الذين لم يكن لديهم ما يزودونني به عن المرحوم عبد اللطيف ، ولكني أعتب على الذين أعرف أنهم قرأوا استفساري دون أنْ يردوا ولو باعتذار عما أبحث عنه، وسكتوا مع انهم يزعمون انهم مثقفون.
بعضهم رد بجملة غاضبة وموجزة جداً إنهم لا يعرفون شيئاً عن عبد اللطيف دون تحية او سلام ، وكنت متأكداً من أنهم يعرفون!!!

ولدت عام 1942 في محلّة “رخيته” بالكرادة الشرقية في وقتٍ كان فيه الوالدُ عندما يستأجر بيتاً لا نبقى فيه طويلَ وقتٍ، حتى أجبرت العائلة بعد وفاة الوالد في مايس1944 على العودة الى محلة “قهوة شكر بالرصافة .
لابد من ان يكون عمري حينئذ قد لفت الإنتباه ! . كنتُ ابن عامين عند وفاة الوالد الذي لم يكد جثمانه يوارى الثرى حتى لحقته الوالدة بعدة شهور ، ولكي تكتمل الفاجعة، توفي شقيقنا الأكبر رياض عام 1945 في لبنان ودفن هناك.
تكفلت جدتنا لأمنا بتربيتنا ، وكنا ثلاثة ، أنا الأصغر بينهم ولم يكنْ لهذه الجدة الفاضلة أي مورد مالي في السنوات الاولى من حياتنا عندها.
وتفضل نائب رئيس الوزراء علي جودت الأيوبي عام 1954 بتخصيص راتب تقاعدي لنا الثلاثة كان عوناً لجدتنا في رعايتها لنا، حتى عام 1961 عندما أصبح شقيقنا الأكبر ضابطاً في الجيش فانقطع ذلك الراتب التقاعدي لأنه اصبح معيلاً حسب القانون .
التحقت الجدة مع بناتها اللواتي أصبحن معلمات في قضاء عنه بلواء الدليم، محافظة الأنبار لاحقا ،حوالي عام 1945 وكان من الطبيعي أن تأخذنا معها، وهنالك في هذه البلدة الغافية على ضفاف الفرات قضيت طفولتي وبعض سنوات شبابي، ودرست في مدارسها الابتدائية والمتوسطة.
وعدنا عام 1961 الى بغداد فالتحقت بالصف الثالث بمتوسطة المثنى ثم بثانوية الاعظمية ،وفي عام 1964 التحقت بقسم الصحافة بكلية الآداب بجامعة بغداد حال افتتاحه لأول مرة في تاريخ العراق.
وكُنّا أول مجموعة تضم 48 خريجاً درس الإعلام أكاديمياً وتوزعنا على أجهزة الإعلام لكني كنت قد حصلت من خلال علاقاتي الحزبية في صفوف ما كان يسمى البعث اليساري على وظيفة مراسل الوكالة العربية السورية للانباء “سانا” فسافرتُ الى دمشق ووقعت عقد عمل براتب معتبر لأكون مراسلًا في بغداد.
وبقيت مع “سانا” حتى تشرين الثاني عام 1970 عندما أطاح وزير الدفاع حافظ الأسد بنظام الحكم الذي كنتُ من أنصاره فكتبت استقالتي لألتحق بعد أيام بوكالة الانباء العراقية.
وهكذا عشتُ مع (واع) كل سنوات حياتي المهنية، وعملت فيها مندوباً ومحرراً ورئيس محررين وسكرتير تحرير ، ومراسلاً في القاهرة أعوام 1976 – 1977 وقد تعرضت للإبعاد من مصر مع مئات الصحفيين والدبلوماسيين وغيرهم من العراقيين والعرب الآخرين.
ومن بعد ذلك ذهبتُ إلى الجزائر مراسلاً لواع وقضيت فيها سنتين .
ألتحقت عام 1982 بجامعة أكستر في بريطانيا للحصول على شهادة الدكتوراه وفي عام 1987 عدت الى بغداد بشهادتي العالية.
وفي مركز (واع) توليت لبعض الوقت مهام رئيس قسم الأخبار الداخلية المسؤول عن كل المندوبين في بغداد وكل مراسلي الوكالة في المحافظات العراقية، ثم أصبحت سكرتير التحرير لقسم المكاتب الخارجية المسؤول عن كل المراسلين في العواصم العربية والأجنبية.
وفي عام 1989 سافرتُ إلى نيويورك مراسلاً لواع لدى الأمم المتحدة وقضيت فيها سنوات لعدم قدرة العراق على استبدالي بسبب قطع العلاقات مع الولايات المتحدة وحتى احتلال العراق في نيسان عام 2003.
بعدها اشتغلت لبعض الوقت صحفياً في بعثة عربية في نيويورك حتى انتهى عقدي معهم .
وما أزال أقيم في ضواحي نيويورك مع عائلتي وأبنائي الثلاثة. واتقاضى عن خدمتي في (واع) التي امتدت لحوالي ثلاثين عاماً راتباً تقاعدياً شهرياً لا يكفي لشراء خبز ويصلني دورياً من بغداد.
ولي ثلاثة مؤلفات في تاريخ الصحافة هي:
– تاريخ الصحافة العراقية في العهدين الملكي والجمهوري 1932 -1967
منشورات الدار العربية للموسوعات ، بيروت، لبنان، 1910
– دفاتر صحفية عراقية ، البعث والصحافة، مرحلة عام 1968، دار البداية، عمان، الاردن ،2018.
– صفحات من تاريخ العراق ، تراث الكاتب الصحفي إبراهيم صالح شكر، دار البداية ، عمان ، الاردن ، 2018





