رأي

حياة العراق مع أبناء الصويرة، الفلوجة، العوجة، وطويريج.. ثم العبادي ..إلى “الزيدي”!!  

وعند مراجعة أغلب النخب التي حكمت العراق، سنجد أن كثيرًا منهم حتى ممن لم تُذكر أسماؤهم هنا ينتمون إلى بيئات متشابهة في تكوينها الاجتماعي والنفسي، مهما اختلفت شعاراتهم الأيديولوجية أو انتماءاتهم الحزبية. لكن النماذج التي سنذكرها تمثل الذروة والأكثر حضورًا وتأثيرًا وجدلاً في الوعي العراقي، حتى تحولت إلى ظاهرة سياسية واجتماعية استثنائية، ما بين متفق عليها ومختلف حولها.

     عبد الكريم قاسم، القادم من الصويرة، نشأ في بيئة شبه ريفية ذات امتدادات عشائرية واضحة. حاول أن يقدّم نفسه بوصفه “حاكم الفقراء”، واقترب من اليسار، لكنه بقي أسير ذهنية “المنقذ الفرد” أكثر من كونه مؤسسًا لدولة مؤسسات. لذلك بقيت الدولة مرتبطة بشخصه، وما إن غاب حتى انهار كل شيء بسرعة مذهلة، وكأن النظام لم يكن دولة بل حالة عاطفية مؤقتة.

      ثم جاء عبد السلام عارف من الفلوجة، حيث البيئة العشائرية المحافظة ذات النزعة المغلقة. حمل خطابًا قوميًّا وحدويًّا، لكنه في العمق ظل أسير ثنائية “نحن وهم”، وهي الثنائية التي تتغذى عليها المجتمعات المنغلقة بطبيعتها، حيث يُنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا لا تنوعًا.

     أما صدام حسين، ابن العوجة/تكريت، فقد مثّل الذروة الأكثر حدّة في تحويل القيم العشائرية إلى فلسفة حكم كاملة. الولاء الشخصي حلّ محلّ الكفاءة، والقرابة حلّت محلّ المؤسسة، والخوف أصبح أداة إدارة يومية للدولة. لم يعد العراق دولة مواطنين، بل هرمًا مغلقًا تُدار قمته بمنطق الثأر والطاعة والغلبة.

     ولعل أكثر ما يكشف أثر البيئة في تشكيل الحاكم هو أن صدام، رغم تبنيه خطابًا قوميًّا وحداثويًّا، ظل في لحظات الخطر يعود إلى أدوات العشيرة والقرابة والولاء المناطقي. حتى الجيش والأجهزة الأمنية أُعيد تشكيلها على أساس الثقة الاجتماعية الضيقة لا على أساس المهنية الوطنية.

    ثم نصل إلى نوري المالكي، القادم من طويريج، حيث البيئة الدينية العشائرية المحافظة. ورغم أنه جاء عبر صناديق الاقتراع لا عبر الانقلابات، فإن تجربته كشفت استمرار الأزمة ذاتها: صعوبة التحول من عقل الجماعة إلى عقل الدولة. فبدل أن تتراجع الهويات الفرعية بعد 2003، تعمّقت الانقسامات، وأصبح الانتماء الطائفي والحزبي أقوى من فكرة المواطنة الجامعة.

     والمفارقة اللافتة أن العراق، كلما حاول الخروج من منطق “الحاكم الأب” أو “الزعيم المنقذ”، أعاد إنتاجه بصورة أخرى؛ مرة باسم الثورة، وأخرى باسم القومية، وثالثة باسم الطائفة أو المظلومية أو المقاومة. لكن النتيجة بقيت واحدة: دولة ضعيفة ومجتمع ممزق.

وفي مقابل هذه النماذج، يبرز حيدر العبادي بوصفه حالة مختلفة نسبيًا. فهو ابن بغداد، المدينة التي تعلّم ساكنها التعايش مع التعدد بحكم الضرورة اليومية. واللافت أن العبادي يتطابق مع المالكي في الحزب والانتماء العقائدي، لكنه يختلف عنه في شيء حاسم: التكوين الاجتماعي والنفسي الذي تصنعه المدينة.

     فالمدينة لا تجعل الإنسان ملاكًا، لكنها تُضعف فيه نزعة الانغلاق، وتجعله أكثر قابلية لفهم الاختلاف وإدارة التوازنات. ولهذا بدا العبادي أقل تصادمًا مع الخصوم، وأقل اندفاعًا نحو صناعة الانقسام، رغم أنه تحرك داخل البيئة السياسية نفسها . ان البيئة الحضرية المنفتحة لم تُنتج زعيمًا مثاليًا، لكنها أفرزت نمطًا أقلَّ تصادمًا مع الآخر، وأكثرَ قابليةً لإدارة التعدد، دون الانزلاق إلى حافة الانقسام.

     إن بغداد، عبر تاريخها، لم تكن مجرد عاصمة سياسية، بل مصنعًا اجتماعيًا لإنتاج أنماط أكثر مرونة في التفكير والسلوك. فهي مدينة لا تستطيع العيش دون التعدد، ولذلك يصبح “الآخر” فيها جزءًا من الحياة اليومية، لا خصمًا وجوديًا.

    بينما البيئات المغلقة دينية كانت أو عشائرية أو مناطقية تميل بطبيعتها إلى إنتاج عقل يقيس الولاء قبل الكفاءة، والانتماء قبل المواطنة، والطاعة قبل الشراكة. ولهذا لم تكن أزمة العراق يومًا أزمة دساتير أو شعارات أو انتخابات فقط، بل أزمة عقل سياسي تشكّل خارج مفهوم الدولة الحديثة.

     ولعلّ ما يثير الجدل اليوم في حالة علي فالح الزيدي، ليس فقط شخصه، بل طبيعة التحول في نمط الوصول إلى السلطة. فالرجل لا يأتي من المسار السياسي التقليدي المعروف، ولا من تاريخ حزبي أو جهادي أو انتخابي، بل من عالم المال والأعمال، في مشهد يقترب من فكرة “خصخصة القرار السياسي” والاستثمار بالنفوذ، بوصفها ظاهرة جديدة نسبيًا على التجربة العراقية. لكن، مهما تغيّرت أدوات الوصول إلى السلطة، يبقى السؤال الأهم مرتبطًا بالبيئة التي تصنع وعي الحاكم أو صانع القرار، وقدرته على مغادرة الولاءات الضيقة نحو مفهوم الدولة الجامعة.

تساؤل مباشر وصريح:

إذا كان هذا هو الدرس المتكرر في تاريخ العراق الحديث، فماذا عن علي فالح الزيدي؟

فالقضية ليست أين وُلد الرجل أو أين يسكن، بل كيف تشكّل وعيه السياسي والاجتماعي؟

هل يحمل عقل المدينة القادر على استيعاب التنوع والتعايش مع الاختلاف؟

أم أن رواسب البيئة المغلقة، بكل ما تحمله من ولاءات ضيقة ونزعات إقصائية، ستظهر عند أول اختبار حقيقي للسلطة؟

في العراق، لم تكن المشكلة يومًا في نقص الشعارات

بل في العقل الذي يديرها.

مقالات ذات صلة