عشرة لقاءات مع صدام حسين (9): بود سبنسر وترانس هيل..



أحد أبرز الممثلين السينمائيين الإيطاليين المعاصرين لجيلنا هو (ترانس هيل), الذي كان يحتل هو وزميله (بود سبنسر) صالات العرض العالمية حيث تشاركا معاً سلسلة من أفلام الويسترن التي كانت تعرف بأفلام (الغرب السباكيتي) المتخصصة بتقديم الكاوبوي الأمريكي بطريقة كوميدية. في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي كانت جميع دور العرض في بغداد تتسابق في تقديم أفلام النجمين الشهيريْن.
في العادة يبدأ عرض كل فلم جديد لهذين الممثلين في إحدى دور عرض الدرجة الأولى مثل الخيام أو النصر أو غرناطة أو سميراميس ثم تتسابق على عرضه بعد ذلك دور السينما من الدرجة الثانية مثل روكسي وريكس والسندباد لينتقل بعد ذلك إلى أحد دور العرض من الدرجة الثالثة ثم يواصل رحلته وتجواله في بقية دور العرض المتناثرة في المناطق الشعبية.
مع أجواء الغرب الأمريكي المبهرة, التي برعت في تقديمها السينما الإيطالية بأسلوب كوميدي أخَّاذ, شارك الممثلان في العديد من الأفلام التي قام فيها ترانس هيل بدور الرجل البدين القوي الطيب في حين أدى بود سبنسر دور الرجل الرشيق الأنيق الوسيم الذي يخفي قوته وراء تواضع عابر سرعان ما يتحول إلى مواجهات تدمي الخصوم.

ليست دور العرض وحدها من تخصَّص بعرض تلك الأفلام. النوادي المنتشرة في بغداد وباقي محافظات العراق كان لها يومها السينمائي الأسبوعي بحيث لم يخلُ نادٍ من تلك النوادي من شاشة لعرض الأفلام, وكان (نادي الصيد) على سبيل المثال أحد تلك النوادي، إذ احتفظ بمكان صيفي خاص للعروض السينمائية بينما اعتاد في فصل الشتاء أن يخصص قاعته الداخلية الكبيرة لهذا النشاط الاسبوعي.
ما الذي يجمع بين بود سبنسر وصدام حسين ؟! هنا بالضبط تدور حكاية اللقاء التاسع:
في بداية تقلده لموقع الرجل الأول بعد إزاحة البكر باشر صدام خطته لبناء زعامة جماهيرية واضعاً نصب عينيه الحضور يوميا في العديد من الأمكنة التي تساهم في بناء تلك الزعامة. في مقدمة تلك الأماكن حظيت رياض الأطفال بنصيبها من تلك الزيارات، وكانت الروضة التي تضم ابنتي البِكر شيماء في مقدمة تلك الرياض.
صادف أن أصيبت ابنتي شيماء بنزلة برد خفيفة، دفعتنا مصادفة إلى أن نريحها من عناء الذهاب إلى روضتها في اليوم نفسه الذي زار فيه صدام حسين تلك الروضة. حينما عرض التلفزيون العراقي في المساء مشاهد تلك الزيارة نصبت شيماء سرادق الحزن وألقت علينا سبب حرمانها من تلك الفرصة الذهبية, ولم تترك بعض صديقاتها الفرصة لزيادة منسوب الحزن لديها حينما تكفلن بالإتصال بها تلفونياً للحديث عن فرصتها الضائعة.

من ناحيتي حاولت أنْ أعوضها عن فرصتها الثمينة الضائعة، واعداً إيّاها أن نذهب في مساء اليوم التالي إلى حي المنصور لكي تختار ما تشاء من لُعَب الأطفال ثم نذهب بعدها إلى نادي الصيد حيث اعتادت اللقاء مع صديقاتها مساء كل جمعة.
كنت قد نسيت برنامج النادي لمساء يوم الجمعة حيث اعتادت إدارته أن تعرض واحداً من تلك الأفلام الشهيرة, وأفرحني حقاً الإعلان الذي يشير إلى أن الفلم المعروض لتلك الليلة هو من نوع الغرب السباكيتي الذي يقوم ببطولته كل من بود سبنسر وترانس هيل. دخلت وأنا أمسك بيد صغيرتي إلى قاعة النادي حيث كان عرض الفلم قد بدأ لذلك رحت أفتش عن مكان نجلس فيه متجولاً بين صفوف القاعة المظلمة فلما عجزت لم يبقَ أمامي غير أن أفتش عن ضالتي في جوانب القاعة. هناك جرت العادة على ترتيب جلوس بعض العائلات حول طاولات متفرقة وقد لمحت في واحدة منها كرسيين فارغين فلم أجد ما يمنعني عن تحريك اثنين منهما بعيداً بعض الشيء عن طاولة جلوس إحدى العائلات التي حرمني ظلام القاعة من التعرف عليها, وقد انصرفت مباشرة للتمتع بأحداث الفلم الذي كان قد بدأ عرضه قبل وصولي.

بعد دقائق بدأت بسماع صوت أحد أفراد العائلة وهو يشرح للشخص الذي يجلس إلى طاولته بعض ما يدور في الفيلم. كان ترانس هيل قد جلس تواً إلى البار مع قبعة كاوبوي وقميصٍ بلا أردان وأمامه مقلاة ملئت إلى آخرها بالفاصولياء اليابسة وبدأ بأكلها دون توقف وبسرعة مما أثار ضحكات وتهكمات الجالسين من الكاوبوي من حوله. إلى جواري سمعت صوتاً يقول لصاحبه : هل ترى هذا الضعيف الذي يأكل الفاصوليا ويسخر منه السكارى. لا تنخدع بمنظره ولا بسكوته عن المتهكمين عليه,إنه متواضع جداً, وهذا ما يشجعهم على مزيدٍ من السخرية, وسيظنون أنه ضعيف ٌ وخائفٌ وجبان ولن يرد عليهم, لكنك سترى العجب إذ بعد أن يجهز على كل الفاصوليا سوف يرفع مقدمة قبعته بإحدى أصابع يديه ثم يتجشأ على راحته وسترى بعد ذلك كيف سيجهز على الساخرين منه بقبضاتٍ تثير الإعجاب.
شخصياً ما أثار اهتمامي ليس شروحات الرجل التي بدا صاحبها وكأنه رأى الفيلم عدة مرات ولا الحماسة التي كان يتابع بها الرجلُ إعجابه الكبير ببطل الفيلم الذي يخزن قوته وراء تواضعه والذي يتفجرغضباً بعد أن يفرغ من تناول وجبته. إن ما أثار إهتمامي هو صوت الرجل نفسه. هذا الصوت أعرفه جيداً لأني كنت واحداً من العراقيين الذين اعتادوا على سماعه ليل نهار. هذا الصوت أكاد أجزم أنه صوت صاحبنا ورئيسنا صدام حسين. ولم يكن أمامي سوى الإستمرار في جلستي, لكن حينما بدأت الاستراحة بعد دقائق وتوقف عرض الفيلم لفترة وأشعلت الأنوار سرعان ما تأكدت أن صاحب الصوت هو صدام نفسه. وبينما بدأ حرجي يزيد كانت فرحة ابنتي تتصاعد حتى كأنها أرادت أن تتحرك من مكانها لتذهب إليه, أما أنا فقد شعرت أن علي البحث عن مكان جديد لكي لا يظن الرئيس أنني تعمدت الجلوس إلى جواره من باب التطفل الثقيل. سحبت ابنتي معي وذهبت أبحث عن مكان آخر, لكن الحظ لم يحالفني هذه المرة أيضاً, قلت في نفسي ما دام الرجل يتصرف بشعبية فما الاحراج خاصة وقد تابع فشلي في إيجاد مكان شاغر أجلس إليه. رجعت إلى مكاني نفسه وبعد أن نظرت إلى الرجل وكأنني أطلب الإذن منه للجلوس, وبما أني حصلت على ابتسامة خفيفة أنبأتني برضائه جلست على مقعدي بكل ثقة وجلست ابنتي على مقربة من (حلا) إبنة الرئيس صدام. وحينما عدنا دخلت إبنتي وهي تصيح على أمها فرحة : ماما ماما لقد جلست مع صدام وحكيت مع حلا ابنته. وفي صباح اليوم التالي كان جميع من في روضة ابنتي يستمع لها وهي تروي قصة لقائها بصدام وجلوسها معه كل الوقت على طاولة واحدة.





