انهيار “اللغة الدبلوماسية”..بوابة إشعال الأزمات




في حين تعتمد اللغة الاعلامية صيغة المباشرة والوضوح وكشف المستور والتأثير في المتلقي و استجلاب عواطفه ، وإثارة مشاعره ، وتقريبه من الحقيقة ولو على مسافة محددة .
واللغة الدبلوماسية أقرب الى تأجيل الصراع أو الإيهام بقرب حلّه، وعدم هدم ما بُني من علاقات على مدار سنوات ، وغالباً في التهاب الصراع ينتهي دور تلك اللغة وألفاظها المعسولة أو العاقلة، وتقترب من لغة التحدي وتجييش المشاعر وتأليب الرأي العام وفتح دفاتر الخصومة القديمة لتكون سردية جديدة لتبرير الصراع .
ولعلّ أوضح مثال لضعف اللغة الدبلوماسية أو انهيارها ما نسمعه او نقرأه في تصريحات الرئيس الامريكي ترامب ، والتي غالبا ما تبدأ بالتهديد ، ولكنها سرعان ما تعود الى صفّ اللغة الدبلوماسية، ومثل ذلك ما نسمعه في تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حيال أوكرانيا ، فيما تختلف هذه اللغة بمجرد الحديث عن الجهود الدولية لانهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا من خلال المباحثات التي تجريها مع الاطراف الوسيطة لإنهاء الحرب .
فترامب مثلا هدّد بجعل كندا جزء من امريكا ، وتحدث عن خليج المكسيك ، وبنما ، وغزو فنزويلا ، وغير ذلك من التهديدات في تصريحات اعلامية مباشرة ، لكنه عاد للغة الدبلوماسية ليحقق بعض المكاسب التي يمكن أنْ يحصل عليها، وقبل ذلك استخدم اللغة الاعلامية المباشرة والسريعة والقوية وأوصل انتقاداته بلغة صريحة وتهديد مباشر ، وكان ترامب أفضل من يتلاعب بإجراء الموازنة بين اللغة الدبلوماسية واللغة الاعلامية .

وكان تراجع ترامب غالبا يهدف الى تهدئة المواقف بعد تصاعد ردود الفعل ، والحفاظ على العلاقات وإرسال رسائل دون صراع لتحقيق هدف مقصود دون خسائر .
ومثل ذلك يفعل بوتين عندما يستقبل وفودا تبحث انهاء الصراع فيعتمد اللغة الدبلوماسية لإقناع الوفود برغبته بالسلام وفق شروط تنهي الحرب وتضمن وقف اطلاق النار ، لكنه سرعان ما يطلق تصريحات سريعة وبأسلوب هجومي ويتحدث عن تقدم قواته في مناطق عديدة في أوكرانيا ، وعدم العودة عنها، مع سيل من البيانات اليومية عن انتصارات تحققها قواته في اطراف جبهات القتال ، وهو كذلك يجيد لعبة الموازنة بين اللغة الدبلوماسية واللغة الاعلامية ، وهو يتحدث عن صناعات عسكرية جديدة سيتم ادخالها الى الخدمة في الجيش الروسي .
غير أنّ الأبرز في اللغة الدبلوماسية التي لا يمارسها ترامب هو تعامله مع الشعب الفلسطيني ومنظمة حماس ، فهو لم يوجه انتقادا واحدا للقوات الاسرائيلية بقدر ما يتحدث ويهدد الجانب لفلسطيني في غزة ، ويتوعده بلغة اعلامية مباشرة بالسحق والتدمير اذا لم يستجب لدعواته ، بينما يتحدث عن السلام وضرورته حين يكون الكلام عن اسرائيل فتكون اللغة الدبلوماسية أداته كلما يلتقي برئيس حكومة الكيان الصهيوني .
من كل ذلك فإن فكرة اللغة الدبلوماسية تنهار شيئا فشيئا ، امام لغة التهديد والوعيد التي اصبحت بوابة الدمار والحروب فهي لغة العالم الجديد .





