تحقيق

 (21) نقش في الحجر:”ماجينا..يا ماجينا”.. نغم يذكِّرنا بحبٍّ كان يملأ السطوح..

وبمرور الأيام نعرف أنّ ما يبثه الراديو كل مساء رمضاني، ليس وليد اليوم، بل قائم على تقليد عرفه سكان العراق و بلدان في المنطقة قبل عشرات السنين.   

         لا معلومة محددة تشير الى تاريخ الطقس تحديداً، لكن هناك من يقول إنّ منشأه أرض الرافدين. وإنّ أحياءً وبيوتاً متداخلة في بغداد ومدن أخرى، سكنها صابئة، يهود، مسيحيون، ومسلمون، تشهد أشكالا من الممارسات المشتركة في أعياد ومناسبات دينية، وبضمنها طقوس رمضان، حدَّ الاسهام في اعداد الوجبات والجلوس معا على مائدة الافطار.  

         تمضي السنون من عمر الوطن. نكبر، ننضج، فنستوعب أنّ ما يجري من  شعائر في الـ”ماجينا ” و”الفِطْر” و”الميلاد” و” الفصح” و” الأضحى”  و”الخليقة” و”الطواف” و”السري سال” راس السنة الأيزيدية و “نوروز”، ما هي ّإلا شكل من أشكال الحب لوطن ولدنا على ترابه الطيب ونشترك في الانتماء اليه، بالحلوة و المرة، وبالخبز والملح، وبتكريس مفاهيم الأخوَّةِ.. بل إنّ هناك من أصبحوا إخوةً في الرضاعة، ومن أديان مختلفة، وأنا من بينهم.

         وحين يعلمنا الوطن معاني الوفاء، فإنه يجعلنا أوفياء للذكريات نفسها، ذكريات تفرض الاحترام المتبادل من خلال الاحتفاظ بها، والعمل على استعادتها. وهكذا كان يقول لي المرحوم أبي، وهو يحفظ في ضميره الكثير مما ادّخرته حياته المهنية والاجتماعية. تراه يسأل ويبحث عن الجميع من كل لون وعرق.  يقود سيارته في شهر رمضان من منطقة “الغدير” في الرصافة الى حي قصي في الكرخ ليلبي دعوة صديقِ يتناول معه الإفطار، ويتبادلان الحديث عن أيام جمعتهما شباباً في أربعينيات القرن المنصرم.

       ومن الغدير أيضاً، حيث نكون في زيارة أهلي، تهمُّ زوجتي بمغادرة مجلسنا فجأة وسط استغرابنا ودهشتنا:

   “ها.. الى أين ؟”    

 “ستزعل صديقتي سعاد كثيراً لو عرفت بوجودي هنا و لم أذهب لمشاركتها ساعات من مساء شهر يستحق الاحتفاء”..

       الحكاية ذاتها تتكرر مع الأشقاء والأولاد. وفي مخيلة كل واحد منا صور ووقائع بالعشرات، تؤكد أن لحب ألآخرين من أبناء جلدتنا، أكثر من عنوان، ومن خلاله يمتد الى أماكن لا تقيدها حدود، ليصبح ترجمة لحب أكبر ، اسمه الحقيقي: حب الوطن.

      وفي مراحل مختلفة من حياتي الصحفية، اتذكر بحنين لا ينطفئ كيف كنت احمل أوراقي الى الشيخ جلال الحنفي لأعيدها ملأى بقصص وحكايات عن رمضان زمان، أودعها في واحدة من صفحات جريدة ما، تنتظر الغروب كي تعيش هي الأخرى، شيئاً من روح رمضان وطقوسه، وسط مكاتب تضج  بمتابعة أخبار عالم مضطرب.. .. .. فيفرش الزملاء مجموعة جرائد على مائدة أو اثنتين متلاصقتين، وأذهب أنا لأجلب عشائي البسيط وأضعه وسط أطباقهم ، ليصبح فطوراً  يتقاسمه الجميع.

       و في أواخر الثمانينيات أُلبي دعوة من فيصل جاسم الى مأدبة افطار  يقيمها في أحد الفنادق، احتفاء بعيد “وعي العمال” التي كان هو على رأس تحريرها، فألتقي هناك المرحوم ناصيف عواد بعد فراق طويل، منذ مغادرة أيام جريدة الثورة، وليغمرنا الأستاذ “ابو سالي” بكرم ضيافته، مثلما عوَّدنا على كرم أخلاقه من خلال علاقات العمل في مجلة أتاح لي فرصة المساهمة في تحريرها.  

        وفي العام 2003، وبعد عودتي بكل عنفواني واشتياقي الى عالمي الحبيب “الصحافة”، في جريدة “الاتحاد” البغدادية بدايةً، بصحبة صديقي الراحل عباس البدري الذي كان على رأس تحريرها، ثم في جريدتي “الصباح” و”الصباح الجديد” للراحل اسماعيل زاير، كانت الأمثلة والحكايا تتكرس عن ذلك النوع من الحب الذي يحاول المكابرة على أخبار لا تسرّ، غَزتنا بعجالة داخل وطن كُتب له الاّ يتعافى، رغم الوعود المعسولة بـ”التغيير”.

        وهنا أيضا، لم يكن “رمضان” بعيداً عن أجوائنا، كمناسبة وطنية نستقبلها بكل ما تستحقه من تقدير واحترام.  

    وقبل أنْ يحل الشهر الكريم، يعقد المرحوم اسماعيل زاير رئيس تحرير “الصباحين” اجتماعا متوقعا ومكرسا لمناقشة بعض الافكار، وما ان يتكلم “مدير تحرير” الجريدتين، حتى يلتفت اليه صارخا بروحه المرحة : “هسه انت رياض شابا رجّال مسيحي شتناقش ويانا عن رمضان؟”. يضج المكان بالضحك، و ينظر اليَّ الجميع بابتسامات لا تخفت بعض الوقت، محملة بكبير المعاني.

          أعود الى البيت بعد نهار صحفي طويل صَعقتهُ أخبار الانفجارات والاغتيالات وصور العنف والفوضى والازدحامات والسيطرات والخوف والقلق بصدد الوصول أو اللا وصول، لأجد جاري الطيب “أبو سالم” قد “أَمَّن” لي صحن الشوربة الساخن مع الخبز الحار الذي طهته في التنور أم سالم “رحمهما الله”، يُعبِّرهما احدهم من فوق “التيغة” – “السياج” الذي يربط بيتينا ولا أقول يفصل بينهما. وأما باقي أفراد اسرتي “نصري ورؤى وأمهما” فغالباً ما أراهم قد سبقوني لمشاركتهم الإفطار أو في إعداده قبل ساعات، مع سالم وأحمد والشقيقات والأحفاد.

         وعبر “التيغة” عينها، تَمدُّ شجرة الزيتون التي تحتل ركنا منزوياً من حديقتي، أغصانها قريباً من السياج وفوقه. وطيلة فترة إقامتي في بيتي بالدورة، لم تحمل سوى حبّات خجول تجمع بين لونين هما الأخضر والأحمر. لكنهم ابلغوني بعد مرور سنوات على هجرتنا، أنهم بدأوا بقطف كيلو غرامات من الزيتون الخشن الأسود كل عام.  

           وفي غيابي، وبعدما تجاوزت شجرة الزيتون تلك العشرين من عمرها، صارت تتبارى في ريعانها وغزارتها مع عنب أبيض ريّان، تتدلى عناقيده مثل ثريات صغيرة من “الداليتين” اللتين امتدت فروعهما لتصنع “قمريَّة” كبيرة تغطي المرآب. وكنت أوزع “المحصول” كل موسم بالتساوي على الأهل والمعارف، وجيرانٍ أحبّة يسكنون زقاقاً ضيقاً، لكنهم يحتلون حيزاً واسعاً من ذاكرة  تستعر حنيناً الى أيام جمعتنا، “بيت أبو عباس”، “بيت شليمون”، “أبو عمر”، “أبو زياد”، “أبو إيفان”، “أبو سجا”، “أحمد أبو فادي” وغيرهم.

          كان كل واحد منا يسعى ما استطاع الى وقت مستقطع، يتجاوز فيه صرخات الخشية من هول الإرهاب، وتهديده الكامن في كل زاوية، ومخاطر يكتظ بها المجهول، كي نلتقي ونتسامر ويساعد واحدنا الآخر . سوى أن ما حصل، كان أقوى من الصورة والحلم المرسومين عن السلام والرخاء في عقولنا. فغادر الكثيرون، تاركين أسئلة قلقة خلفهم. وفقط قلَّة منهم بتنا نسمع عنهم. نبث لبعضنا أشواقاً حقيقية عبر كلمات تخنقها العبرات، فيما أرى آخرين بالمصادفة النادرة على شاشات الفضائيات يقفون أمام شجرات الميلاد في “المولات” والمتنزهات والشوارع ليقدموا التهاني بالعيد لإخوتهم الذين هاجروا وصاروا بعيدين عنهم.

          و هنا .. .. ..في “المهجر” أو “الشتات” او “الاغتراب”، نحاول في كل بقعة نمكثُ فيها، أنْ نحافظ على عراقٍ “مصغرٍ” ما زال يعيش في أعماقنا رغم كل ما حصل، و هذا أضعف الإيمان، يجعل الأواصر مشدودة الى العراق الكبير قدر المستطاع.. ويجعل الجسور ممتدة بفضل ما يمنحنا إياه “الفضاء الأزرق” من فرص، بحثا، عن كل ما يوحد ويُقرِّب من دون الغاء او تجاوز أو “محاصصة” “مقيتة” كما يتظاهر السياسيون في وصفها!!..  

      بعد أسابيع قليلة من الآن، سيطل “نوروز”.. و بحلوله لن أنسى أبدا أنْ أبعث بباقة محبة تشبه زهور كردستان الى صديقي الشاعر والموسيقي سيروان ياملكي، ابن السليمانية الذي هو الان ابن مدينتي الكندية الجميلة “فانكوفر”.   

          ومن خلال الهاتف، “اذا لم يُكتب لنا لقاءٌ “، سأهنئه بكلمات كردية حفظتها منذ سنوات طويلة، مذ كنتُ في الخامسة من عمري ولا اتكلم غير هذه اللغة!! سأتمنى له ربيعا زاهيا يضاف الى عمره: “نوروز بيروز بي”..  

      أما “أبو أمين”، فغالباً ما ينساب صوته في أعياد الميلاد ورأس السنة، بعربية بغدادية أصيلة ممزوجة بانجليزية محببة

    “”ميري كريسمس أخويا.. إلك وللعائلة.. أبويا أنتَ

    “.  شكراً كاك سيروان.. زور سباس.. سر جاو”

    إنسان يملأ قلبه حب الدنيا كلها..  

        واذا ما غادرتُ فانكوفر، فإنني ساذهب الى صديقي وزميلي المعتق ليث الحمداني المقيم في “لندن أونتاريو”. معاً، شممنا عبق “درابين” صحافة بغدادية” أصيلة في محلة “جديد حسن باشا” خلال أوقات متقاربة من الستينيات. يسكن قريباً من القلب رغم أنّ المسافة بين مدينتينا الكنديتين لا تقل عن سبع ساعات طيران. اتصالاتنا لا تنقطع رغم هموم الحياة ووطأةِ الغربة، نتكلم وكأننا ما زلنا في بغداد..  ولا ننسى أنْ نتناول الموصل “أم الربيعين” التي ننتمي إليها.. أهنئه بالأعياد، واذا م اتأخر في الاتصال بحلول الميلاد أو الفصح، أقول لزوجتي: إنْ لم يحكِ ليث اليوم.. سأخابره أنا.. سأساله عن ميلاد ومضر,  وحبيبته الجميلة “البلاد” الصحيفة التي يصدرها من فضاء وطني، يزداد تألقا وحضورا مع الزمن.  

     واذا ما غادرتُ فانكوفر أيضا، الى مكان هو الاقرب اليَّ الآن، فسأعثر على نفسي خارجها عند مدينة يغلفها بياضٌ يشبه قلبَ عراقيّ لم ألتقِ به يوماً. لكنها الكلمة التي جمعتني وإياه في وقت متأخر، ولم يسبق لنا التعارف رغم المدة الزمنية الطويلة التي أمضاها كل منا في ميدان العمل الصحفي في بلادنا الام، للأسف. يبعثُ كل يوم بمشاعر وفاء الى وطن غادره جسداً وظل متعلقا به روحاً. ينقل رسائل وافكاراً توزعها “برقية”، الموقع الذي صار منبراً يتنفس كُتّابه هواء الحرية في مدينة يغرقها الثلج اسمها “كالغري”. برقيات تحمل توقيع “صباح اللامي” الذي أسمع صوته كل يوم، في حوارات تأخذ ساعات أحياناً، لتبدّد بعضاً من وحشة غربة جمعتنا..

      قبل اللامي، لي حبيب آخر يقيم في كالغري ذاتها. صديق العمر والزميل المخضرم الرائع الدكتور رافد حداد الذي عرفته في زمن صعب عشناه معاً لسنوات عشر بجريدة الثورة وفي فترة زمنية هي الأعقد، وأعني بها حرب الثمانينات.

   ومن حسن حظي انني وجدت ( رافد) أمامي عندما عملت في جريدة القادسية التي كان يمضي فيها خدمته العسكرية، وأديت أنا فيها خدمة اﻻحتياط، بعد أنْ وضعت الحرب أوزارها بوقت قصير. كانت غرفته بجوار القاعة التي أجلس فيها. ما إنْ أودعه حتى نلتقي في احد مساءات بغداد، نستعيد خلالها ذكريات تلك الليالي المشحونة بالقلق، الزاخرة بسهرات من نمط مدمر للنفس واأعصاب، نطرق برأسينا حينا ونضحك أحياناً أخرى لكثرة المقالب والمواقف المحرجة تلتي مررنا بها.

    وفي التسعينات، ورغم قطيعتي مع الصحافة، ظل رافد قريبا مني، نسترق بعض الوقت كي نلتقي في بيتي او بيته كما كنا نفعل في أوقات مستقطعة طيلة الثمانينيات، ويزورني أيضا في محلي الرياضي بالدورة. بين الحين واﻻخر.

    اﻻ أنّ الظروف التي مرت بها البلاد إثرَ غزو الكويت، جعلتنا نفترق فجأة، ولزمن طويل. عقود انتهت بعثورنا على بعضنا في بلد واحد هو كندا التي أصدر فيها جريدته الجميلة “مشرقيات”، وطلب مني التعاون معه في تحريرها. أنا من فانكوفر- بمقاطعة بريتيش كولومبيا، وهو من كالغري بمقاطعة البرتا، كي يصبح ذلك المطبوع، مساحة نتنفس في فضائها هواء نقياً مسكوناً بصقيع الغربة.

   في الوقت الحاضر، وبعد ان أفلت مشرقيات بعد مدة لم تدم طويلاً، مازلنا على اتصال دائم وعلى خطوط ساخنة تربطنا بصديقنا المشترك، بل أخينا العراقي الطيب صباح اللامي “ابو سيف” الذي اقول له ولابي نور “رافد” وأخي الحبيب سيروان ياملكي وأخي الابعد والقريب الى القلب دائما ليث الحمداني ولكل من ذكرتهم في سطوري السابقة، ولعشرات الأصدقاء والزملاء في داخل الوطن وخارجه، أقول: كل رمضان وانتم بعافية وسلام. كل عام.. ولتحيا “ماجينا” التي نبقى نعشقها مثلما فعلنا صغاراً، لأنها أحد الأشياء التي علمتنا أنّ في وطننا كثيراً من الحب الذي كان يملأ كل السطوح..

مقالات ذات صلة