العزيزان، طارق عزيز وعزيز السيد جاسم (3)


كان طارق عزيز القادم من قضاء تلكيف في شمال العراق وهي منطقة في ضواحي الموصل قد حصل على شهادة اختصاص في اللغة الإنكليزية من كلية الآداب في جامعة بغداد, وقد أهَّلته تلك الدراسة وممارسته لمهنة التعليم لسنوات عدة, واعتماداً على خبرة وكفاءة ذاتية, أن يتحدث اللغة الإنكليزية بطلاقة, الأمر الذي ساعده على أن يكون أحد أبرز متصدري الدبلوماسية العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العشرينات من القرن الماضي.
وعلى مستويات عدة بدت الثقافة وكأنها كانت مهنة للسوريين في حين كانت مهنة العراقيين محاولة استيعاب ما كان يكتبه السوريون. ولم تكن الانشقاقات التي جابهت الحزب بعيدة عن هذه الحقيقة إذ بعد أن أفلح الحزب بالاطاحة بنظام الزعيم عبدالكريم قاسم، أصبح في مواجهة الفراغ الكبير. وسرعان ما دخل الحزب في ساحة التشظي حيث أيقنت بعض قياداته أنها كانت قد انشغلت كثيراً في ساحة المجابهة بالعضلات على حساب الحاجة إلى المجابهة بالثقافات, فصار التشظّي أمراً طبيعياً وبدت أبرز تجلياته وكأنها محاولة لترميم الذات والبحث عن الهوية.

وسيمنح فقر الساحة الفكرية والإعلامية طارق عزيز فرصة ثمينة لاحتلال مكانته الحزبية والرسمية المتقدمة وذلك في أعقاب الانقلاب البعثي على نظام الرئيس عبدالرحمن محمد عارف. وسيتبين لمن يعيد دراسة تلك الساحة أن الحزب كان بحاجة ماسة إلى شخص طارق عزيز نفسه وذلك لقدرته على التنظير في ساحة كادت أن تخلو من المنظرين من داخل النظرية البعثية التي حرص عفلق على إبقائها سالمة من تأثير طغيان الفكر الماركسي على ساحة الأفكار والعقائد.
لقد ظل طارق عزيز موالياً لقيادة عفلق وأفكاره حينما جابه حزب عفلق أخطار الضياع في متاهة البحث عن الهوية من تلك التي قادها أولاً جناح علي صالح السعدي بعد سقوط نظام الزعيم قاسم نهاية عام 1963 وقادها في سوريا بعد ذلك الجناح البعثي الذي كان من أبرز زعمائه صلاح جديد وحافظ الأسد في عام 1966 والذي أدى إلى نهاية حكم الحزب الذي يتبع عفلق لحساب ما سمي بالجناح اليساري للحزب.
وقد حدث ذلك أولاً تحت غطاء البحث عن عمق اجتماعي بنزعة ماركسية كانت قد أعلنت عن نفسها في المؤتمر القومي السادس للحزب بتأثير من الجناح الذي يتزعمه علي صالح السعدي الأمين القطري العراقي في مواجهة الجناح الذي يقوده طالب شبيب وحازم جواد.

إن الإحاطة بمعطيات ورجال تلك المرحلة يتطلب الخوض في الكثير من التفاصيل التي يمكن الحصول عليها من مذكرات العديد من رجالات تلك المرحلة من أمثال طالب شبيب وعلي صالح السعدي وهاني الفكيكي ومحسن الشيخ راضي.
ما أفتش عنه الآن هو موقف طارق عزيز من تلك الأحداث. نعرف أن الرجل كان أحد أفراد الفريق المسلح الذي اقتحم قاعة اجتماع المؤتمر القطري الذي قاده المقدم محمد المهداوي الملحق العراقي العسكري في دمشق. وسيقدم لنا ذلك تفسيراً مقنعاً لقصة الرجل الذي استطاع خلال سنين قليلة أن يتصدر المشهد الإعلامي والفكري وحتى السياسي للدولة والحزب بعد عودته مجدداً إلى صفوفه في أعقاب الإطاحة بنظام الرئيس عبدالرحمن محمد عارف.
ويمكنني الآن أن استدعي إلى الصورة قصة المشادة أو الحوار العنيف التي حدث بيني وبين المفكر عزيز السيد جاسم, الذي جمعتني وإياه علاقة شخصية وذلك في بداية السبعينات من القرن الماضي, والتي سأعيد نشرها في هذه المذكرات, لا لقيمة ما تسرده على صعيد تلك العلاقة أو قصة المشادة بيننا, وإنما لأنها تتضمن شرحاً لطبيعة الساحة الإعلامية في تلك المرحلة وموقع الرجلين وعلاقتهما مع بعض.

من جهته كان عزيز السيد جاسم قد ضمن له موقعاً إعلامياً متميزاً بعد أن أفلح في ركوب القارب البعثي الفقير إعلامياً حيث بدت الساحة الإعلامية بحاجة إلى أقلام مقتدرة, وكان قلمي المتواضع من بينها.
وظن عزيز السيد جاسم أنه صار الأوفر حظاً لتصدر تلك الساحة نظراً لغزارة قلمه وسعة ثقافته ذات السمات الماركسية الواضحة والتي جعلته بقدمين قادرتين على السير دون إشارات توقف, ساعده في تلك المرحلة الدعم الذي لقيه من صدام حسين رجل الدولة ومن عبدالخالق السامرائي رجل الحزب معتقداً بذلك أن طريقه لاحتلال المكانة الاعلامية والفكرية الأبرز قد بات مضموناً.
لكن طريق طموحاته الشخصية لم يكن خالياً من المصدات, وكانت أصعبها تلك التي خلقها لنفسه بنفسه يوم طرح نفسه خصماً لطارق عزيز بدلاً من أن يكون صديقاً له وذلك لخطأ قراءَتهِ لمكانة طارق مما جعله يظن أن بمقدور كفاءته الإعلامية, وحاجة الحزب الماسة إلى ملء فراغ ساحته الفكرية لقلم مقتدر كقلمه, والدعم الذي يتلقّاه من رجل الدولة صدام ومن رجل الحزب عبد الخالق السامرائي, كان كافياً لدخوله سباق التنافس في ساحة إعلامية بدت في تلك المرحلة وكأنما قد نصبت سرادقها لمارثون السباق بين حصانه وحصان طارق عزيز, وكان خطأهُ أن مارثوناً من هذا النوع كان في متخيلته فقط, ربما لخطأ حسابه لطبيعة علاقة طارق عزيز مع الحزب, ظناً منه أن عزيز لا يتميز عنه في طبيعة الصلة بالحزب, كونه قد عاد إلى التنظيم البعثي بعد نجاح الانقلاب على نظام عبدالرحمن محمد عارف عام 1968, متجاهلاً بذلك أن طارق عزيز كان ابناً للحزب بينما لم يكن هو أكثر من ضيفِ عليه. انتهى





