رأي

رأي معاكس: خرج الإنكليز بعد إنشاءِ “جيوش استخبارية”.. وحكومات تابعة! 

      (ثورةُ العشرينِ ثورةٌ عراقيةٌ شعبيةٌ عارمةٌ، انطلقتْ من الجنوبِ ثم عمَّتْ المنطقةَ الغربيةَ حتى وصلتْ إلى شمال العراق )، هكذا تقول الحكاية الشعبية، نعم ونحن نقول كذلك إنها ثورةٌ شعبية، ولكن لا نعتقدْ أبداً أنَّ الإنكليزَ بمدافعِهم وبنادقِهم وطائراتِهم وجيوشِهم الجرارة، ومن شتى الجنسيات العالمية قد خرجوا من العراق خوفاً من الفالةِ والمكوار.

    (الطوب أحسن لو مكواري )  هذا الشعارُ الذي رُفِعَ في العراقِ أيامَ ثورةِ عام 1920م، هو شائعة سياسيةٌ نمّاها الإنكليزُ أنفسُهم عن طريقِ عملائِهم المحليين، وهي الشائعة السياسيةُ نفسُها التي تكرَّرَتْ عند كلِّ الشعوبِ الأخرى المُسْتَعْمَرَةِ إنكليزياً أو فرنسياً، في الهندِ يقولون في حكاياتِهم الشعبيةِ المشهورةِ ولا تزال تروى عندهم في التاريخ، إنَّهم أخرجوا الإنكليزَ بواسطةِ ( المغزل ) نعم المغزل!!.

     وإمعاناً في هذه الشائعة السياسيةِ البريطانيةِ، أخذَ المهاتما غاندي وهو زعيم ثورة المغزل ، يغزلُ بنفسِه وهو نصفُ عريانٍ أمام الشعب الهندي، يغزلُ وهو المحامي المتعلِّمُ المثقفُ ومن طبقةِ البراهما الراقيةِ في السلّم الإجتماعي الشعبي الهندي، والذي تخرّجَ من أرقى الجامعاتِ البريطانيةِ، بلْ ومارسَ مهنة المحاماةَ في بريطانيا، ولديه مكتبُ محاماةٍ في لندن، ووالدُه تاجرٌ كبيرٌ هاجرَ من الهندِ إلى دولةِ جنوبِ أفريقيا وأقام فيها وولدَ فيها ابنُه غاندي، ويحملُ جنسيتَها، حتى إنَّ  دولةَ الهندِ كادت أنْ تختارَ المغزلَ الغانديَّ شعاراً لها فوق علمِها عند إستقلالِها المزعومِ من بريطانيا، ولكن تمَّ إستبدالُه فيما بعد، بشعارٍ آخر أكثرَ عقلانيةٍ وواقعيةٍ من المغزلِ الغانديِّ والذي بقي في المخيلةِ الشعبيةِ الهنديةِ حكايةً تُحكى حتى يومنا هذا، تماماً مثلَ حكايةِ الفالةِ والمكوارِ التي تروى في العراق..

       مثلَ هذه الحكاياتِ تتكرَّرُ كثيراً عند الشعوبِ المُستَعْمَرِةِ بريطانياً أو فرنسياً ، إيران بلادُ فارس، هكذا كانت تُسمى سابقاً قبل الاستقلال، لاتزالُ المخيلةُ الشعبيةُ الفارسيةُ الإيرانيةُ تتغنّى بثورةِ التِنباك في إيران، وهي الثورةُ الشعبيةُ التي كادتْ أنْ تُسقِطَ بريطانيا العظمى اقتصادياً وعسكرياً والتي لا تغيب عن مستعمراتها  الشمس (أنقرْ ثورةَ التنباك في إيران على محرك البحث كوكول).

    وتكرَّرتْ مثلُ هذه  الحكاياتِ الشعبية في إيران عام 1979 عندما ادّعى الخمينيُّ الرجل العجوز  الطاعنُ في السنِّ ومن جاءَ معه على الطائرة الفرنسية، بأنَّه أسقطَ الشاهَ وعرشَه وجيشَه وجهازَ سافاكِه القويِّ عن طريق ثورةٍ أسماها بثورةِ (الكاسيت)، نعم هكذا تروج إعلامياً  -ثورة الكاسيت- هي التي أسقطت أقوى نظامٍ عسكريٍّ وإستخباري في المنطقة وكان الشعبُ الإيراني يحبّه كثيراً لأنّه جعلَ من إيران المتخلفةِ إجتماعياً واقتصادياً باريس الشرق كما يقول الشعب الإيراني.

     الإنكليزُ ياسادةُ ياكرام، لمْ يخرجوا من العراقٍ ولمْ يخرجوا من إيران أو الهند وغيرها من الدولِ المستعمرة لا خوفاً من ثورة العشرين، ولا خوفاً من ضربةِ المكوار، ولا خوفاً من الفالة، ولا من ثورةِ التنباك، ولا خوفاً من مغزلِ  غاندي. الإنكليز خرجوا من هذه الدولِ بعد أنْ أسّسوا جيوشاً ومخابراتٍ وإستخباراتٍ قويةٍ، وأنشأوا حكوماتٍ تحكمُ بالنيابةِ عنهم وهم جالسونَ خلف الشاشاتِ في لندن وشعارهم هنا غرفة العراق – هنا غرفة إيران – هنا غرفة الهند  – هنا وهنا غرفٌ وغرفٌ وغرف

هذه هي الحقيقةُ وما عداها فهو مجردُ خيالاتٍ شعبيةٍ مُفرَطةٍ في الطيبة والسذاجةِ حدَّ الجنون، فالطوب أحسن لو مكواري

مقالات ذات صلة