فلسفة ترامب في مسارات “الصدمة”، “المبالغة”، و”كسر الأعراف”!



“برقية”: خاص
لكنّ مصادر إيرانية من جانبها نفت ما ورد في نص التغريدة، ووصفت مضامينها بالمزاعم، مؤكدة أنها “غير صحيحة”.
والحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان، هي أنّ تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب “مثيرة للغاية” ، سواء في سياقها الأصلي أو كما يتم تداولها إعلامياً، إشكالية متكررة في فهم طبيعة الخطاب السياسي الأمريكي المعاصر: هل نحن أمام (معلومة سياسية) قابلة للتحقق، أم أمام (أداة ضغط) تُستخدم ضمن إدارة الأزمات؟
في هذا النوع من الخطاب، لا تكون القيمة الأساسية للعبارة في دقتها الحرفية، بل في أثرها السياسي. فالتصعيد اللفظي، والتضخيم المقصود، وربط قضايا مثل المضائق البحرية أو الأمن الإقليمي بشروط قصوى، كلها عناصر تُستخدم عادة لإعادة تشكيل حدود التفاوض وليس لوصف واقع ثابت.

من هنا، يصبح الجدل بين صحة التغريدة أو نفيها أقل أهمية من فهم وظيفتها: فهي، في حال صدورها أو تداولها، تعمل ضمن منطق (رفع سقف التهديد) لإجبار الأطراف المقابلة على إعادة حساباتها الاستراتيجية، خصوصاً في قضايا حساسة مثل الملاحة الدولية والطاقة.
في المقابل، يأتي النفي الإيراني ضمن نمط سياسي آخر لا يقل تعقيداً، يقوم على تقليل أهمية الرسائل الخارجية أو إنكارها بالكامل بهدف الحفاظ على تماسك الرواية الداخلية ومنع خلق صورة ضعف أو اختراق دبلوماسي. وبالتالي، فإن التعارض بين الطرفين لا يقدّم حقيقة نهائية، بل يكشف عن صراع سرديات أكثر منه صراع معلومات.
الأهم هنا هو أن الاعتماد على قراءة حرفية للتصريحات المتبادلة بين الطرفين يؤدي إلى استنتاجات مضللة. فالمشهد لا يُدار بمنطق (خبر صحيح مقابل خبر كاذب)، بل بمنطق (رسائل متبادلة في مساحة رمادية)، حيث تُستخدم المبالغة والإنكار كأدوات تفاوض وليست كبيانات واقعية.

وعليه، فإن السؤال الجوهري ليس: من يقول الحقيقة؟
بل: كيف تُستخدم هذه اللغة في إعادة تشكيل ميزان القوة السياسي والإقليمي؟. في هذا الإطار، يصبح خطاب التصعيد جزءاً من بنية الصراع نفسه، وليس مجرد انعكاس له، بينما يتحول الإعلام—محلياً ودولياً—إلى ساحة ثانية لإعادة إنتاج هذا الصراع بصياغات مختلفة، لا تقل تأثيراً عن الأحداث الميدانية.
لا يمكن التعامل مع تصريحات دونالد ترامب بوصفها معلومات بقدر ما هي أدوات ضغط. فهو يوظف التناقض، والمبالغة، والتصعيد اللفظي كجزء من أسلوب تفاوضي يقوم على إرباك الخصم وخلخلة يقينه.
في المقابل، فإن النفي الإيراني لا يُعدّ دليلاً على عدم حدوث تواصل، بقدر ما يعكس تقليداً سياسياً قائماً على إدارة الصورة الداخلية والخارجية. وعليه، فإن السؤال ليس: من نصدّق؟ بل: كيف تُستخدم هذه التصريحات في سياق صراعٍ تُدار فيه الحقيقة نفسها كأداة من أدوات القوة؟.
ويبدو من تحليل جميع ما قرأناه أو سمعناه من تصريحات ترامب، أنّه لا يتحدث كسياسي تقليدي، فهو يعتمد ثلاثة مسارات في “فلسفة إقلاق الخصم” إنْ صحّت العبارة: الصدمة، المبالغة، ثم كسر الأعراف. فهل هي استراتيجية، أم “فوضى” و”ارتباك” و”تخبّط” و”تنافر” كما يبدو لنا الكثير من تصريحاته وأحاديثه وتهديدات، سواء بشأن حرب إيران أو في غيرها.

وإذا لم يكن التناقض “ضعفاً” فماذا يكون؟.. أداة لإرباك الخصم، ولخلق مساحة مناورة، وأيضاً لاختبار ردود أفعال الخصم!. إنّ السياسة –في عُرف ترامب- ليست بحثاً عن الحقيقة، والمصداقية، والثقة، إنما هي “إدارة مختلفة لإدراك المفاهيم”.
لقد مارس ترامب منذ ظهوره مرشحاً في دورته الرئاسية الأولى الأولى، قبالة هيلاري كلنتون، أسلوباً لا يحترم الرأي، ولا الفكرة، ولا المعنى فيهما، إنّه يستخدم “أدوات ضغط”، موظفاً التناقض، المبالغة، التصعيد اللفظي “الفظ”، كجزءٍ من لغته التفاوضية التي تقوم على إرباك الخصم وخلخلة يقينه!.
بالمقابل، لا يعني النفي الإيراني، أو تكذيب مسؤوليها لما يقوله ترامب، دليلاً على عدم حدوث “التواصل بينهما” مثلاً. إنّه يعكس تقليداً سياسياً قائماً على “إدارة الصورة الداخلية والخارجية”. وعليه، فإن السؤال ليس: من نصدّق؟ بل: كيف تُستخدم هذه التصريحات في سياق صراعٍ تُدار فيه الحقيقة نفسها كأداة من أدوات القوة.





