رأي

بين “جِدِّهِ وسخريتِه”: ملامحُ إنسانٍ إسمه داود الفرحان..

          كنتُ فقط أقرأ للكاتب الكبير داود الفرحان، إعجاباً بما يسردُ في عمودِه الجادّ-الساخر “بين الناس”،  وكنتُ أيضاً، أسمعُ عنه من أصدقاءَ له، أو زملاءَ اشتغلوا معه، لم أكنْ أعرفه شخصياً، قبل أنْ ألتقي به، وأشاركه مع ثلةٍ من زملاء أعزّاء، عضوية مجلس نقابة الصحفيين العراقيين (منتصف تسعينات القرن الماضي).

     وعندما أعودُ بشريط الذكريات إلى تلك الحقبة من حياتنا الصحافية، أستطيع القولَ إنّني عرفتُ إنساناً آخر غير الذي صوّرَتْه أقاصيصُ بعض الأصدقاء والزملاء االزملاء، فازددتُ إعجاباً برؤى “أبي صفا” وسلوكه، فضلاً عمّا كان يكتبُه، بلغةٍ صافيةٍ، وبحنكةٍ نقدية بارعةِ الذكاءِ، وأيضاً بشجاعةٍ قلَّ نظيرُها في تلك السنين!.

        في مجلس النقابة، كان الأستاذ الفرحان، نائباً أوّلَ للنقيب الراحل الأستاذ طه البصري، ثم للراحل عدي صدام حسين. مارس عمله النقابي بهدوءٍ، وكياسةٍ، ومهنيةٍ يُحسد عليها، ولم تبدُ عليه أيةُ أمَارة من تلك “الأمارات” التي كان “عارفوه” من بعض زملائي، يصفونه بها، وأبرزها أنّه “شخصية بيروقراطية”. وجدتُهُ على الضدِّ من ذلك تماماً، كان إنساناً ليّن الجانب، رقيق الإحساس، ميّالاً برغم هدوء طبعه إلى النكتة اللاذعة، حتى لكأنّه مصريّ المزاج في ذلك، إلّا أنه رحمه الله، كانَ شديدَ الالتزام بحُدود الأخلاقيات الاجتماعية، واحترام ذوات الآخرين. وكان بصدقٍ، لا يساوِمُ بتاتاً، ولا “يتغاشمُ” في معايير مهنة الصحافة، وشؤون الكتابة، وبأسلوبٍ لم أرَ فيه، ما حسبهُ الآخرون “بيروقراطية”!!.

      كان الأستاذ داود الفرحان، في اجتماعات مجلس النقابة –حتى مع تلك التي كان يعقدها عدي صدام حسين- بارعَ الرأي، قليلَ الكلام، شجاع الرؤية، وظلَّ ماضياً على اتّزانه نفسه من غير تذبذبٍ، أو ارتباكٍ، برغم مرور تلك الاجتماعات بمتغيّرات، كانت أحياناً “عاصفة”، ومريبة، وتصل إلى حدِّ دفع المرءِ إلى الانفجار النفسي، لو لم يكنْ “أبو صفا” تغمّده الله بواسع رحمته، متماسكَ الوعي، قابضاً على جمرةِ رأيه بسديدِ إرادته، عارفاً أنْ زوابعَ خفيفي الظنون، لا تتعدّى فنجانَ هبوبها!.

     ولعلّ أهمَّ التجارب، التي عَرّفتني أكثرَ فأكثر، بشخصية الأستاذ داود الفرحان، هي إصدارُ صحيفة “الزوراء”، التي عُيّنتُ مديراً لتحريرها، فيما كُلّف “أبو صفا” بأمر النقيب عدي صدام حسين للإشراف على تحريرها. كانت شهوراً طويلة من التأسيس، ومن التعرّف اليومي على متانة التجربة الصحافية المهنية للأستاذ داود الفرحان، ودقّته، وصبره، وعلمهِ بأشياءَ كثيرة، تبدأ بأسرار لغة الكتابة، ومعالم التصميم الفني، وفذاذةِ تجاوز ما كان “متعارفاً عليه” بيننا نحن الصحفيين من شؤون، يفرضها الخوفُ، وأحياناً “التزلُّف”!.

      رحم الله، فقيدَ الصحافة العراقية، والعربية، الزميل الأستاذ داود الفرحان. عاش حياته عَلَماً من أعلام هذه “المهنة الرسالية”، تحمّل مشاقَّ تعبها، بل تحمّل وزرَ “الكلمة الحُرّة” التي مارس كتابتَها لسنين طوال، فكان من أوزارها أنْ سُجنَ الرجلُ لشهور بأمر الرئيس صدام حسين، وفُصلَ قبْل ذلك من رئاسته لتحرير صحيفة أسبوعية، القرار الذي شملني بالفصل أيضاً، فهجرتُ البلد بعد نحو سنة، كما شملَ الفصلُ الزميل الدكتور هاشم حسن، الذي حاولَ الهرب من العراق، فألقي عليه القبض، وحكم بالسَّجن لسنتين أمضاهما في أبي غريب!.   

    وبجملةٍ مفيدةٍ واحدة أقول: بقيت نزاهةُ داود الفرحان، تُصلّي في محراب الكلمة، إلى أنْ أوصلته الى الطرد، ثم السَّجن!.   

مقالات ذات صلة