رأي

مدَدُ التضحيات باق..ولن تنطفئ شعلتُه..  

     أعود إلى عبارة أنّ إيران “تعرفُ قدرها”، وأعني أنّها استفادت من تجربة الحرب الطويلة مع العراق “1980-1988″، عسكرياً، تكنولوجياً، معلوماتياً، بتسليح نفسها، تسليحاً أثار استغراب أوروبا، وإسرائيل، وأميركا نفسها!. وبصرف النظر عن كل ما جرى من قتلى ودمار وخسائر، في إيران وفي غيرها، فإنّ الإيرانيين، أثبتوا قدرتهم على المواجهة التي، يكرّرون أنهم دخلوها مجبرين، حفاظاً على “عزّتهم الوطنية”!.

      استفاد الإيرانيون أيضاً من تجارب، المواجهات العسكرية العراقية-الأميركية ونتائجها، التي أعقبت احتلال الكويت في 2 آب 1990، حصاراً، وتجويعاً، وترويعاً، فاستمرت حتى انتهت بالاحتلال المقيت في 2003. عَرفوا أنّ “التنازلات” لأميركا، لا تقود إلا إلى الخيبة، والمزيد من النكوص، والخسران، فالبيت الأبيض، كما يردّد رئيسه ترامب، يريدُ “أنظمة مطيعة”، أو في الحقيقة “مُطِيّة”، بحسب التعبير البغدادي!. وعلى وفق صياغة الرئيس الأسبق صدام  حسين، يريدوننا “أنْ نأكلَ وننامَ ونبيضَ لهم كالدجاج”!.   

    ولو كان صدام حيّاً إلى اليوم، لما تردّد في الوقوف إلى جانب إيران، التي قاتلها ثماني سنوات، ثم أودع المئات من طائراته عندها، وكادَ يدعو إيران–بل يُقال إنه دعاها سرّاً- و”حزب الله” إلى جبهة واحدة ضد إسرائيل وأميركا، فيما لم يجد عرباً، يمكن التحالف معهم. وكان في جلساته غير المعلنة، يسمّيهم “الأعراب”، ويشتمهم ويهينهم ويصطنع شخصياً لكل منهم ألقاباً مخزية، فالملك فهد “خائن الحرمين”، والرئيس حسني مبارك “البقرة الضحوك”، وجابر حاكم الكويت “قارون”، إلخ!.

    لكنّ قيادة صدام حسين -رضي الناس عنه أو لم يرضوا- كانت كالقيادة الإيرانية، لها عنادٌ جسور، قدراتُ تحمّلٍ عالية، وتواثبُ روح المجازفة، بالذهاب الى المواجهة العسكرية غير المتكافئة مع إسرائيل التي رُميت لأول مرة بالصواريخ، ومنازلة أميركا التي تخشى جبروتها حتى روسيا، والصين، ودول كبرى في العالم!.

     تسمّون هذه “المواجهات”، عنترياتٍ، حماقاتٍ، أو أنها تأتي بالتضادّ مع التعبير القرآني “ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة”، أطلقوا عليها ما شئتم من أوصاف النقد، والتجريح، وحتى الاستهزاء، لكنّها “مواقف كبرى”، قد تنطفئ، إلا أنها لن تُنسى، وسيبقى “مَدَدُها” الروحي، يشعرُ الانسان، بما هو إنسان في كل مكان، بعزّته الوطنية، فهو يُربّى منذ صغره على التضحية من أجل الوطن، دفاعاً عن كرامته، وسيادته، أرضاً، وماءً، وسماءً!.

     إنّ “حكمة الاحتماء” بالبريطاني، أو الأميركي، أو الإسرائيلي مستقبلاً كما هو متوقع، تلتقي –وإنْ لم تتشابه- مع ما فعلته مصر السادات، ومبارك، وما قبَلَه ورضي به مرسي والسيسي،  وما قبلته “وهو منبوذ”، دول عربية أخرى في عقد معاهدات سلام مع إسرائيل، لم تُسفر لا عن سلام حقيقي، ولا عن نتائج لها ذكر بشأن حقوق الفلسطينيين، الذي طُحنوا طحناً في حروب الحصار، والموت، والتجويع، والتشريد!. إلا أنّ موقف الشعب الفلسطيني، عظيم لا ريب فيه!.

   في التاريخ، وفي واقعنا اليوم، هناك صفّان، صفُّ العزة الوطنية، وهو رهينُ التضحيات، والخسائر، لا محالة، وصفُّ “الاستسلام”، اللفظة التي يكرّرها ترامب يومياً، والتي يؤكد أنه لن يرضى سواها للإيرانيين. عند هذه النقطة يصبحُ الحديث غير ذي قيمة، ولا حتى “يابسة”. ولا حتى “لقلقة” شياع السوداني الذي يزعم أنّ قرار السلام والحرب بيد الدولة!. أي دولة وهي عاجزة عن تنصيب رئيس وزراء جديد من دون موافقة ترامب؟!.

مقالات ذات صلة