رأي

الوجه الآخر للفوز الكبير

فبين بداية المباراة والنهاية، لم تكن الكرة فقط هي المتحركة في الميدان، بل كان صوت العراق بأسره يتجلى من جديد. في تلك الأوقات، خفتت الأصوات الفردية وانخفضت النبرات الطائفية التي لطالما فرقت الصفوف، ليظهر صوت واحد، واضح وصادق: هو صوت العراق.

     لم يكن أحد يسأل عن هوية من يشاركه الهتاف، أو انتمائه، بل كان الولاء الوحيد يتجسد في النشيد الوطني الذي رفع فوق الجميع. وكأن كرة القدم، برمزيتها البسيطة، حققت ما عجزت عنه الكلمات الطويلة؛ وحدت الناس حول معنى مشترك لا يحتاج إلى تفسير.

      هذا هو الوجه الآخر للاحتفاء بهذا النجاح: أن ترى الوحدة الاجتماعية تتجلّى بشكل حي، لا كشعار، بل كفعل حقيقي. أن تراقب الفرح وهو يتدفق في المدن بلا حواجز، ويصل إلى القلوب بلا إذن. أن تدرك أن هذا البلد، رغم كل ما واجهه، لا يزال يمتلك القدرة المدهشة على التواصل، عندما يجد ما يستحق ذلك.

       ولأن لكل قصة أوجهها الإنسانية، أستعيد هنا ذكرى لا تفارق هذا المشهد. أعرف عدنان درجال شخصيًا، ليس فقط من بعد كمشاهد، بل من خلال لقاءات تركت أثراً عميقًا في ضميري. كان ذلك منذ سنوات في قطر، عندما قدمني له الزميل الدكتور وليد الحديثي. بدعوة كريمة منه، جلست معه سوية في مطعم عراقي، نسترجع بعضًا من عبق الوطن ودفء ذكرياته. ثم تطور الحديث إلى جولة في شوارع الدوحة، حيث تنقلنا في سيارته من ذكريات كرة القدم إلى قضايا العراق الأساسية، إلى ما يمكن أن يكونه المستقبل.

     لم تكن كلماته مبتذلة ولا محاطة بالمجاملات، بل كانت نتاج قناعة راسخة وإيمان مطمئن برؤية يعرف ما يتعين فعله، حتى وإن بدت بعيدة عن أعين الآخرين. وجدت في “أبو حيدر” تجسيدًا لذلك الرجل الشجاع، حيث تتداخل مسيرته الكروية مع حضوره الوطني؛ كلاهما ينبعُ من حب صادق لهذا البلد.

     كان واضحًا أنه لا ينظر إلى العراق كشعار يُرفع فقط، بل كقيمة تُعاش ويُدافع عنها. وفي الوقت نفسه، كان يظهر جانب آخر: إنسان محب، قريب من الجميع، يتحدث ببساطة ودون تكلّف، كأن تواضعه جزء لا يتجزأ من تاريخه، بنفس أهمية إنجازاته.

      وتشاء الصدف أن نلتقي مرةً أخرى في الدوحة، في الفندق الذي سكنا فيه، هو لحضور بطولة الخليج، وأنا للمشاركة في ملتقى الدوحة. كان اللقاء عابرًا في ظاهره، عميقًا في معناه. في ذلك الوقت، كان يواجه انتقادات قاسية، بدت في كثيرٍ منها غير منصفة، صادرة عمّن لم يتمكنوا من رؤية ما كان يراه. ومع ذلك، ظلّ ثابتًا، لا يرفع صوته، ولا يبرّر كثيرًا. قال لي بهدوء الواثق:”سأفوز… وسأقود الفريق إلى كأس العالم.”

كانت جملة بسيطة، لكنها مشبعة بإيمانٍ لا يضطرب، كأنها وعدٌ يعرف طريقه قبل أن يصل إليه.

      لم تكن تلك العبارة عابرة، بل تعبير عن إيمان عميق. والآن، بينما ينظر إلى حلمه يتحقق، يبدو أن تلك الكلمات لم تكن وعدًا للآخرين فحسب، بل كانت عهدًا مع ذاته.لا أهدف هنا إلى تمجيد الأشخاص بقدر ما أسلط الضوء على أن خلف كل إنجاز يكمن إرادة قوية، وإيمان ثابت، وقدرة على تحمل الشك قبل ظهور التصفيق.  وربما هذا ما ينبغي أن نتعلمه من هذه اللحظة: أن الأوطان تُبنى بالأفعال الهادئة التي تعرف طريقها، لا بالضجيج. إن تأهل العراق إلى كأس العالم ليس نهاية المسار، بل هو بداية جديدة.

مقالات ذات صلة