ثقافة

صورة قلمية لإنعام كجه جي حاملة وشاح سلطان العويس..”إبداعها الروائي”..  

       تشكّل روايات إنعام كجه جي الأربع: طشّاري، الحفيدة الأميركية، النبيذة، وصيف سويسري – إذا ما استثنينا روايتها الأولى “سواقي القلوب” و”مجموعتها القصصية ” بلاد الطّاخ طاخ”- مشروعاً سردياً متكاملاً يكاد يكون سيرةً معاصرة للمنفى العراقي والعربي. ليست هذه الروايات متفرقة في موضوعها، بل تتحرك في فضاء واحد يتكرر ويتحوّر، هوية مكسورة تبحث عن نفسها بين وطن خسر ملامحه، وبلدان جديدة لا تمنح أصحابها يقين الانتماء الكامل.

      وقبل أن أُوجز موضوعات تلك الروايات التي يجمعها مسار واحد، فلا بد من الإشارة إلى أن روايتها الأولى “سواقي القلوب” تكشف منذ بداياتها عن حساسية عالية في التقاط التفاصيل الإنسانية، وقدرة على تحويل المكان المغلق إلى عالم نابض بالحياة. الرواية تدور أحداثها في غرفة عناية مركّزة بمستشفى عراقي، لكنها تمتد في داخل القارئ أبعد من جدران المكان، لأن البشر فيها هم الحكاية، والخوف هو اللغة المشتركة.

       وتقدم في مجموعتها القصصية ” بلاد الطاخ طاخ ” بانوراما عراقية موجعة، تلتقط فيها حياة الناس في ظل أصوات الرصاص والانفجارات، حيث يتحوّل اليومي إلى استثناء، والعادي إلى معجزة. إنها شهادات صغيرة على زمن طويل عاشه العراقيون بين الخوف والسخرية والمرارة.

      وفي تقديري إنّ السواقي والطّاخ طاخ، هما من سوناتات كجه جي المنفردة على هامش سمفونيتها الرباعية التي تمثل مشروعاً روائياً لكاتبة مرت بالتجربة، وعاشت التحولات، وعرفت جيداً معنى أن تكون الذاكرة بيتاً بديلاً حين تتشظّى البيوت. من هنا يأتي صدق هذه النصوص وقوتها، ومن هنا أيضاً يتشكل خيط خفي يجمع الروايات الأربع في لوحة واحدة، رغم اختلاف أحداثها وشخصياتها.

في طشّاري تكتب إنعام كجه جي حكاية التشتت العراقي بواحدة من أصدق صوره. بطلة الرواية، الدكتورة وردية إسماعيل، تحاول أن تجمع عائلتها التي تناثرت في أصقاع الأرض. الكلمة التي اختارتها الكاتبة عنواناً ليست مصادفة. ” طشّاري ” في اللسان العراقي تعني ما يتناثر في كل اتّجاه من دون قدرة على لمّه. هكذا يتحول أفراد العائلة إلى نقاط ضوء بعيدة، يربط بينها تطبيق مكالمات، أو صورة عابرة، أو ذكرى قديمة تهبّ فجأة من غرفة مظلمة.

     القوة في هذه الرواية أنها لا تبالغ في الشجن. إنعام كجه جي تكتب بحكمة امرأة تعرف أن وجع المنفى لا يحتاج إلى زينة. تنقل القارئ إلى حياة وردية في باريس، وإلى محاولاتها المتكررة لجمع ما تفرّق، لكنها تفعل ذلك بروح تمزج السخرية بالمرارة. تلتقط مفارقات الشتات: أعياد الميلاد التي يُحتفل بها عبر شاشة، خبز العائلة الذي صار يخبز في لغات مختلفة، وصورة الوطن التي تبقى على الجدران حتى حين يغيب الوطن نفسه.وردية ليست ضحية كاملة. هي امرأة قوية تصنع لنفسها حياة جديدة، لكنها تظل محكومة بجرح كبير اسمه العراق. هذه الثنائية بين القوة والحنين هي ما يمنح الرواية بعدها الإنساني العميق.

    في الحفيدة الأميركية تنقل الكاتبة ثنائية الهوية إلى مستوى آخر، أكثر صداماً ودرامية. زينة بهنام، المهاجرة العراقية المسيحية التي كبرت في الولايات المتحدة، تعود إلى العراق بعد الاحتلال مترجمةً مع الجيش الأميركي. هذا القرار وحده كفيل بأن يجعل الشخصية ميداناً لصراع أخلاقي وإنساني معقّد.زينة لا تعود إلى وطن تعرفه، بل إلى وطن ضبابي، نصفه ذاكرة طفلة، ونصفه الآخر بلد محتلّ. تشعر في كل خطوة أنها لا تنتمي إلى المكان ولا تستطيع الانسلاخ عنه.

     تتكرر في الرواية لحظات عميقة تعكس ذلك الانقسام، لهجتها العراقية التي تستيقظ حين تتوتر، حنينها الغامض رغم ارتدائها الزي العسكري الأميركي، وشعورها بأن كل كلمة تترجمها تحمل وزناً أخلاقياً. وفي مقابل زينة تظهر رحمة، العجوز العراقية الصلبة التي تمثّل الوجه الشعبي للأرض. رحمة هي العراق داخل الرواية، بحزنه وسخريته وشراسته وقدرته على البقاء. التقابل بين الشخصيتين يصنع مرآة كاملة للواقع العراقي آنذاك، مهاجرون يريدون العودة ولا يستطيعون، ومقيمون يريدون البقاء ولا يجدون ما يتمسكون به. تكشف الرواية المعنى الحقيقي للهجرة، إنها ليست انتقالاً بين بلدين، بل انقسامٌ بين ذاتين. وتكشف أيضاً أن الاحتلال ليس حدثاً سياسياً فقط، بل ارتجاجٌ في الوعي والهوية.

     في النبيذة تسلك الكاتبة طريقاً مختلفاً لكنها تبقى داخل مدار المنفى. تكتب قصة تاج الملوك عبد المجيد، الصحفية العراقية ذات السيرة الحافلة التي تعيش اليوم في باريس. تبدو الشخصية في أول الرواية امرأة هادئة استقرت في غربة طويلة، لكن اللقاء المفاجئ مع ودود، الحبيب القديم، يعيد تحريك المياه الراكدة. يعود الماضي دفعة واحدة، ويستيقظ الزمن العراقي المخبأ في قلبها.

     الرواية ليست قصة حب فقط. إنها حكاية جيل كامل أكلته السياسة، وافتراس الأنظمة، والخيبات الكبرى. كل خطوة في حياة تاج الملوك تتقاطع مع تحولات العراق، الانقلابات، الهجرة، السجون، ومآلات المثقفين الذين وجدوا أنفسهم خارج وطن لم يتسع لأحلامهم.

     في هذه الرواية تظهر مهارة كجه جي في كتابة الزمن المزدوج، زمن باريس البارد، وزمن بغداد الساخن. المشاهد تتوالى كما لو كانت كاميرا تستعيد شريطاً قديماً، فيما بطلة الرواية تتأرجح بين رغبتها في السلام الداخلي وبين جاذبية الماضي الذي يدعوها بنبرة لا تستطيع تجاهلها. إنها رواية عن جرح لا يشفى، وعن قلب ما زال قادراً على الحب رغم كل شيء، وعن منفى يتحول إلى طبقة ثانية من الجلد. إنعام هنا لا تروي قصة، بل تروي ما تبقى من حياة.

      تختتم إنعام كجه جي هذه الرباعية الروائية بعمل مختلف في المكان، قريب في الروح، ” صيف سويسري “.المكان هنا ليس العراق ولا باريس ولا أميركا، بل مصحّة جبلية في سويسرا. لكن الشخصيات هي ذاتها التي تعرفها الكاتبة جيداً، عرب وعراقيون جاؤوا يبحثون عن استراحة قصيرة من ثقل الحياة. وتبدو سويسرا في الرواية جنة صغيرة، لكنها جنة لا تغيّر المصائر.

     الشخصيات تحمل معها أوجاعها كما تحمل حقائبها. كل واحد يحاول أن يعقد مصالحة مع ذاته، أو يطوي صفحة من الماضي، أو يواجه سؤال العمر المتبقي. الطبيعة تبدو صافية، لكن القلوب مشوشة. الرواية تذهب نحو سؤال جديد: هل يمكن للإنسان أن يجد سلامه في مكان جميل، أم أن السلام قرار داخلي لا تصنعه الجغرافيا؟ تجيب إنعام بطريقة غير مباشرة، المكان يساعد، لكنه لا يصنع معجزة. الجبال الثلجية صامتة، وداخله يظل صاخباً.في هذا النص تستثمر إنعام كجه جي خبرتها الطويلة في كتابة تفاصيل المنفى، لكنها تفعل ذلك بلمسة أكثر هدوءاً وتأملاً، كأنها تمنح شخصياتها فرصة أخيرة كي ترتاح قبل عودتها إلى متاعبها القديمة.

  رغم تنوع الأمكنة والشخصيات، هناك عناصر ثابتة تشكّل روح مشروع كجه جي الروائي، أولها أن الاغتراب قدر العراقي المهاجر، فالشخصيات لا تهاجر فقط، بل تتشرذم، وتعيد صياغة نفسها باستمرار. والمنفى ليس محطة بل مسار طويل. وثانيها ثنائية الذاكرة والحاضر، فكل رواية فيها بطل أو بطلة يعيشان بقدمين في زمنين مختلفين، بلد قديم يحملهما، وبلد جديد يحتضنهما ببرود. وثالثها حضور الوطن رغم الغياب، فالعراق لا يظهر بحدوده بل بوجوه ناسه، بطفولة متروكة، وبصور تصعد كالحرارة من القلب. ورابعها تلك اللغة التي تمزج الرقة بالقسوة . إنعام لا تستسلم للإنشاء، ولا تبتعد عن الإنسانية، بل تكتب صوتاً عراقياً واضحاً، فيه ألم خفيف وسخرية مضادة. إنها لا تكتب عن الهجرة بوصفها حدثاً جغرافياً، بل بوصفها تاريخاً داخلياً لا يفارق الإنسان. رواياتها الأربع مثل فصول متتالية لسيرة وطن خرج من بيته ولم يجد باباً يعود إليه. وفي كل رواية تقدم وجهاً من وجوه هذا التيه، عائلة تتناثر، مترجمة تبحث عن نفسها، صحفية تستعيد قلبها، ومهاجرون يجرّبون استراحة قصيرة في مصحّة سويسرية.

هذه هي أركان المشروع الروائي لإنعام كجه جي،إنه تأريخ إنساني للمنفى العراقي، مكتوب بصوت امرأة تعرف أن الهوية ليست جواز سفر، وأن الذاكرة ليست متحفاً، وأن الوطن يمكن أن يغيب عن الخريطة لكنه لا يغيب عن القلب.

مقالات ذات صلة