أدب

قـراءةٌ في قصيدة “تُقبــِلُ بيـــروتُ بجُلبــابِ حرائقِها” لـ”حميد سعيد”..

     من هذا المنطلق، تبدو الكتابة عند صاحب الصّوت الممزّق»حميد سعيد« شهادة الحيّ، وفعل استشهادٍ مفتوحًا على هويّةٍ قلقةٍ تحاول جاهدةً اجتراح الأمل من قلب العدم المستشري. فبيروت، عروس المشرق وسلطانة الضّياءِ، تقف الآن حيال مخاضٍ وجوديٍّ يعصف بأركان جمالها. بينما تتدفّق الرُّؤيا في هذه اللّوحة الشّعرية ضياءً يخترق عتمةَ الانكسار، معيدةً صياغة الزّمن الجريح عبر تصويرٍ يتخطّى الواقع ليلامس جوهر المأساة.

ولأنّ هذه الرّؤية صادرةً عن «مرفأ الأغاني»، فقد يبدو الصّوت ملاذًا أوليًا يتمثّله وجدان الشّاعر قبيل تمدّد لهيب العدوان الصهيوني، حين تبدأ ملامح المدينة في الانفصال عن سكونها.فهي محضن الفنون السّامقة ومهد الخلود الصّامد. وفي مستهلّ هذا الوجع، يستحضر الشّاعر روح المدينة بملامحها الأيقونيّة، ليؤرّخ للحريق بمداد الدّهشة واللّوعة؛ إذ تقف الرّوح عند عتبة البوح، راصدةً تحوّل المشهد من فردوسٍ منشودٍ إلى ميدانٍ للجراح.

يُفصح العنوان “تُقبِلُ بيروتُ بجُلبابِ حرائقِها” فضاءً من جمرٍ، يختزل فوضى الاندلاع، ويرتسم حرائق متدفّقة في جزيئات القصيدة، ليمنح القارئ ركيزةً لفضّ مغاليق الوجع المقيم، فيمتدّ الهتاف اتّساعًا في مساحات التّوتر. تمارس هذه »العتبة« سلطةً تعبيريّةً بالغة الأثر، وتؤسّس للمناخ النّفسيّ والجماليّ الهائج في ظلّ ثورة الحروف؛ فترسم ملامح الخراب قبيل تدوينه، وتتضافر مفرداته لتصوغ جرحًا مشرعًا صوب المجهول، صاهرةً قسوة اللّحظة في قالبٍ معرفيّ مثقّلٍ بالدّلالات. بذلك، يغدو هذا المسمّى برزخًا يسكنه هجير الأغنيات، جاهرًا بحضور الوعي والذّاكرة لدى الشّاعر وسط الرّكام، محرّضًا النّفس على اقتحام مآزق الاشتعال.

وإن إقبال بيروت بهذا الرّداء هو إعلانٌ صريحٌ عن تحوّل الجوهر؛ حيث يسكن الحريق نسيجها ضريحًا يلفّ جسد العاصمة، ويواري مفاتن »الفردوس« القديم ليُظهر حقيقة الجحيم الرّاهن. ومن خلف حجاب عزلته، يرى الشّاعر النّيران خيوطًا تنقش تاريخًا جديدًا من رمادٍ؛ إذ يكشف استحضار العظماء:»وديع الصّافي« و»نصري شمس الدّين« و»الرّحابنة« و»الملكة« عن مخبوءات النّفس إقرارًا بسقوط اللّاهوت الجمالي للشّرق، حيث تعجز الأصوات عن إطفاء جمرةٍ واحدةٍ من حرائق بيروت؛ إذ تمسي الموسيقى انقطاعًا مشحونًا بقداسةٍ مأزومة.

وإن اعتزال »فيروز« في القصيدة يتخطّى احتجاج الصّمت، بالغًا مرتبةً الانتحار الرّمزيّ للوطن؛ فالمملكة الّتي حكمتها بالصّوت تهاوت أركانها، وباتت الملكة تلتحف صباها على مذابح الفجيعة. ليصبح الجلباب” قيدًا ارتضاه المثقّف العربيّ لنفسه عبر التفرّج على الحريق بعينٍ باردة، مستقرًا في منطقةٍ رماديّةٍ بين الوعي والفعل، حيث يتآكل الموقف لصالح خطابٍ يعيد تدوير الفاجعة.فتغدو اللّغة ملاذًا يُؤجَّل فيه الحسم، ويُستعاض فيه عن الفعل بتكثيف العبارة، حتى تستقرّ الكارثة في حيّز القول دون اختراقٍ لجوهرها. مثلما يمثّل انكفاء »فيروز«انسلاخًا للهوية عن موضعها؛ “الفرح البيروتيّ” الّذي أدمنت رسمه بصوتها يصبح غربةً حادّة. أمّا بحث العمالقة عن “الملكة” فهو اعترافٌ ضمنيّ بعجز الأغنية عن رتق جرح الواقع. ويمثّل هذا الاعتكاف صورةً لانطفاءٍ بصريٍّ لشعوبٍ كانت ترى في وجه تلك الملكة خريطةً للنّجاة، فيما يغدو غياب “صباها” دلالةً على تهالك الذّاكرة العربيّة وعجزها عن استعادة براءتها الأولى أمام وحشية العدوان.

يستدعي المدوّن في مخاض نصّه روح “الفردوس المفقود”، مُسقطًا جرح الضّياع الأندلسيّ على حريق بيروت الرّاهن.» لبنان.. نسيجٌ من وردٍ ونُضارْ.. فردوسٌ.. خصَّ بهِ اللهُ الشُّعراءْ«؛حين يُنطق الحرف يرسم معالم جنّة غرناطة في ذروة بهائها، حيث كان الورد سياجًا للحضارة، والنُّضار مدادًا للعقل والتّرف الأندلسي. وإن المدينة الّتي كانت ملاذًا للشّعراء وبوصلة الحداثة، تواجه اليوم مصير آخر ملوك الأندلس، واقفةً على مشارف تاريخها تبكي مُلكًا أضاعه تهاون الحاضر وتواطؤ اللّحظة.

وإن تجلّي “السّيّدة” في معتزلها، يحيلنا وجدانيًّا إلى هيبة »ولّادة بنت المُستكفي«في قرطبة، بما تمثّله من سلطة جماليّة مقابل الحرب. لكنها هنا، بفعل النّار والخراب باتت ملكة مخلـوعة عن عرش الغناء، تبني مملكتها من الأحزان بدلًا من قصور »الحمراء«. بينما يبدو بحث العمالقة عنها بمثابة رحلة الأقلام المنفيّة عن روح الأندلس بعد رحيل القوافل. بيروت اليوم، تتجرّع مأساة قصر »الزّاهرة« في أندلس؛إذ يستهدف التّدمير الصّهيونيّ اقتلاع الجذور الجماليّة، في استعادةٍ بشعةٍ لمحاكم التّفتيش الّتي سعت لمحو الأثر العربيّ من أزقّة إشبيلية.

وفي هذا التّقابل الحاد يبرز»الأخطل الصّغير«مختبرًا عبير”قرنفلَ سهرتهِ عطراً لقصيدتهِ”، كي يخلق مفارقةً بين زمن الأُنس وزمن البارود. هكذا، يعيدنا إلى حياة »المعتمد بن عبّاد« في إشبيلية؛ حيث كان القصيد يعطّر ليالي الوصل، قبل أن ينتهي به المطاف غريبًا في »أغماتَ«. وصاحب القلم في “معتزله”يمثّل صدى صوت ذلك المنفى الأندلسيّ، يراقب رماد الحضارة ويدوّن ملامح السّقوط، محوّلًا الفجيعة اللّبنانيّة إلى نصٍّ يستنطق به التّاريخ ليُدين الحاضر ويحاكمه بجرم الصّمت،معلنًا نهاية زمن الطّمأنينة.

والتّناصّ هنا، استشرافٌ لقيامة الوعي في عالمٍ يغتال رموزه الجماليّة؛ فلبنان وسط هذا الدّمار نصٌّ مذبوحٌ يصارع للبقاء عبر فعل التّدوين. لينبعث من رحم الخراب وجهًا آخر؛ نسيجًايتجدّد من الوجع، يتأسّس في عزلة الشّاعر فعلًا شعريًا مقاومًا لمحو الذّاكرة، حيث يستقرّ الحريق مدادًا لتوثيق المأساة، لتكون الكتابة هي الفعل الباقي بعد احتراق المكان.

تختزل»الكتابة على الماء«ملاذًا أخيرًا للشّعراء؛ إذ تعلن انطفاء فعل التّوثيق في زمن الانهيار. فالماء الّذي هو عنصر الحياة الأوّل، الآن يشيّع نبرات الحروف، وما يُخطّ عليه محكومٌ بالتّلاشي.هذا الرّمز الشّفيف يفضح خواء الفعل الثّقافي في زمن الحرائق واللّهيب؛ القصائد الّتي نسجت أحلام الفقراء، تتفتّت إلى ذرّاتٍ تائهةً تعجز عن الاستقرار والتّماسك، وحلمٌ يمضي”أنّى شاء” يصير ارتباكًا وجوديًّا يواكب ارتخاء البُنى وانهيار النّظم.عند هذا المنعطف،يتخلّى فعل الكتابة عن وظيفته التّاريخيّة في إرساء الحضور، ليصبح تجسيدًا للزّوال وتتبدّد معه ملامح المكان

يترسّخ هذا الامّحاء الأنطولوجي في استغاثة الشّاعر الّتي ترتطم بجدار الصّمت: »أنادي.. وما مِنْ مُجيبٍ غَيرُ الرّمادِ.. وَما مِنْ صَدىً غَيرُ لَهيبِ الشّوارع «وعند ارتداد النّداء ينكفئ صوته نحو فراغ ممتد. أما المدينة الّتي كانت «مرفأَ الأغاني» فتنصرف إلى إنتاج بقايا الاحتراق بدل النّغم. هنا، يستقرّ استنطاق الرّماد لُحمةً في نسيج التّلاشي؛ حيث تغدو شظايا السّواد المتفحّم حاضنةً لبقايا الذّاكرة العاجزة عن الإفصاح، فيما يستحوذ لهيب الشّوارع على مقام الأغنية، معلنًا سطوة الحريق على الفضاء الرّمزي.

وينكشف اضطراب المكان في تحوّل بيروت من ملاذٍ للأقلام إلى منفىً للأحلام، و”أنهار الدّماء” المتدفّقة على مقربةٍ من مقاهي شارع “الحمراء” تهدم قدسيّة المشهد الثّقافي، وتحيله مسرحًا للعبث.وفي هذا السياق، يرصد »سعيد« من معتزله التّحول المفاجئ للمدينة؛ إذ يُستبدل “نسيجُ الوردِ والنُّضارِ” بجحيمٍ مستعرٍ يعرّي زيف الأمان المفقود، ويكشف هول الفراغ الّذي خلّفه احتراق مهد الصبا. وعلى امتداد هذا التّصدّع، يمتدّ المحو في طبقات الذّاكرة: فالمدينة الّتي أرّخت للحداثة تعيد رسم نقوشها بمداد الفجيعة، فيغدو الشّاعر شاهدًا على تهاوي الرّمز المكانيّ وانسحابه في غور العدم.

يتجسّد “الخراب الرّمزيّ”في القصيدة بزحف النّار نحو «عرش الأغاني»، فتلتهم النّيران لبنات المكان كاشفةً عريّ المثال الّذي أسّس وجدان العروبة. يرسم الشّاعر مشهد التفكّك البنيويّ بقوله: “تَسّاقطُ الجدرانِ فوقَ مُهودِ الأطفالِ وَالصّمتُ يَنْحرُ ما تَبَقّى مِنْ غِناءٍ”، ليتجاوز هذا الفعل التّخريبي حدوده، ليصير طعنةً للمستقبل، وإبادةً للفكرة قبل تشكّلها؛ إذ تتحوّل «الأقمار»الّتي صاغت ليالي السّاهرين أثرًا بعيدًا، ويَرسَخُ الحبّ مادةً للخوف بعد فقد الأمان.

تُفصح رؤية «حميد سعيد» عن اهتزاز العقد الاجتماعي الرّابط بين الفرد وبين مجاله الحيويّ؛ فبيروت «مختبر الحداثة» وموئل الكلمة، تنقلب إلى ميدانٍ لطرد أرواح من يقطنها. وسقوط الجدران في النّص الشّعري إيذانٌ بتهاوي المنظومة الحضاريّة؛ حيث تقف الهويّة المدنيّة عاجزةً أمام بربريّة الحريق النّاتج عن العدوان، فيمتد هذا الانكسار في بنية الوعي ذاته. والخوف وقد اتخذ الدّار مقامًا يجوبها طلبًا لمأوى، يصير تجسيدًا لحالة الاغتراب الّتي أصابت قدر المدينة وأهلها.

يوثّق النّصُّ قطيعةً مع «اليوتوبيا» القديمة؛ فالشّارع الّذي ضجّ بنقاشات الفكر لزمه صمتٌ ثقيلٌ،معلنًا انتهاء صورة المدينة «رئة للشّرق». هذا السّقوط يتخطّى الجغرافيا ليكون نعيًا للمثال الّذي رأى فيه العرب مفرًّا من هجير الهزائم. وإنَّ مرارة الشّاعر تعرّي المنظومة القيميّة أمام بشاعة الدّمار، ليبقى الرّكام شاهدًا على تعثّر المثال المتهاوي، مخلّفا فضاءً مثقلاً بخيبة الأجيال.

بيروت الّتي كانت ملاذًا لكل غريبٍ، بات الخوف فيها صاحب دارٍ، يجوب ازقّتها بحثا عمًا يؤويه. هذا الانقلاب السّوسيولوجي ينفتح على انطفاء آخر مصابيح اليقين في الوجدان العربي: ليؤكّد أنّ الحريق تسلّل من الأبنية إلى نسيج الكيان البشريّ محدثًا تصدّعات عميقة من الصّعب تخطّيها، مما يجعل العودة إلى زمن اليقين مطلبًا عسير المنال في ظلّ هذا الرّكام الذي يوشّح الذّاكرةَ بندوبها المفتوحة.

نصل في ختام هذا التَّطواف إلى حقيقةٍ مفجعةٍ، فمع قصيدة «تُقبـِلُ بيـروتَ بجُلبابِ حرائقِها» نقف أمام استذكارٍ بصريٍّ وسمعيٍّ لبيروت الّتي ضجّت بالحياة، قبل أن يطمرها احتدام اللّهب ويخفت في جوفها الصّدى الرّخيم. فغدا «المعتزل» الّذي عاشه الشّاعر فضاءً يتدلّى  بين هيبة الصّمت وتدوين الفجيعة؛ كأنّ الخوف قد استعار ملامح المكان وأقام في رموزه، فصار «لبنان الوديع» شبحًا يتأرجح في ذاكرةٍ مثقلةٍ بانطفاء المناخ الرّحبانيّ الّذي كان ينسج روح الجماعة.

يتجاور في هذه القصيدة، بقايا الصّوت مع صمتٍ يوشّح التّخوم، لينفتح المشهد على ذاكرة حضاراتٍ تتقاطع في هشاشتها؛مدينةً، نصّا، وشعورًا يئنّ تحت وطأة الخيبة، في وحدة مصيريّة مثقلةٍ بالوجع. وتظلّ الأصوات الصّاخبة تعيدنا إلى زمن الأغاني حيث كانت المدينة تردّد اسم الإنسان في صدى الوجود، قبل أن يتقشّف المكان ويصبح سجنا للظّلال. ويبقى النّص الشّعريّ الشّاهد على مدينةٍ علّمتنا معاني الحبّ، ومنحت مفهوم بعث الكائن الإنساني، قبل أن يبتلع المكانَ لهيبُ الغدرِ، وتذروه رياح الخذلان. وتظلّ الحروف متسرّبة بين الأنقاض، تنفض عن المدينة غبار الهزائم، وتعيدها إلى فضاء الحلم، لتصبح القصيدة تاليًا جسر المدينة وروحها المفقودة، ومرآة الأنين.

ومن مآزق النّار ينبثق حلمٌ شعريٌّ يروم استعادة بيروت من مدامع الرّماد، فالشّاعر الّذي أتقن عزلته، قد حلم بترميم »عرش الأغاني«، ليعيده سكنًا للرّوح منتصرًا باللّغة الّتي تعيد بناء «الأيقونة الجماليّة» للمدينة. وإن المرارة تعرّي قصور المنظومة القيمية أمام بشاعة الدّمار،فيبقى الحطام شاهدًا صامتًا على عظمة المدينة وأمجادها، وتغدو القصيدة الوجود الفعليّ المقاوم، معلنةً أن استذكار «زمن الأغاني» هو السَّبيل الأخير لخلود المدينة في روح الشّعر وقلب التّاريخ. لتظلّ بيروت حيّة وشاهدةً على صوت الإنسان، والموسيقى، والحب الّذي يملأ طرقاتها أبدا.

مقالات ذات صلة