ثورة “الفتق” و”الرتق”: لهيب عبد الخالق تجترحُ “الازدواج الأنطولوجي” كنظرية عالمية من كندا..



تقدم لهيب عبد الخالق في 12 فصلاً مكاشفة معرفية ترفض التبعية للقوالب الفلسفية الغربية، لتؤسس لبنات مدرسة فلسفية عربية ذات أبعاد كونية. كما تضع النظرية ‘آليات دينامية’ دقيقة مثل ‘قانون التبادل الخفي‘و’التماثل الانعكاسي’، وغيرها، وهي آليات تفسر كيف يتبادل الظاهر والظل أدوارهما في لحظات الانقلاب الوجودي. هذا البناء الاصطلاحي ليس مجرد تسميات جديدة، بل هو ‘نظام مفهومي متكامل‘ (Systemic Ontology) يسمح لأول مرة برصد حركة ‘لغة الجوهر’ قبل انقسامها إلى علامة ومعنى، مما يمنح الفكر العربي أداة سيادية لاختراق حجب الزمن والوعي.
وتنطلق الباحثة من “آية الفتق والرتق” لتؤصل لمفهوم “لحظة الفتق“؛ وهي اللحظة الصفرية التي فتق فيها الوجود “رتقه” الأول ليعلن ولادة الزمان. بالنسبة لعبد الخالق، الانشطار ليس عارضاً تاريخياً، بل هو القانون البنيوي الأول للوجود؛ فاللحظة لا تولد صافية، بل تنبثق من توتر خلاّق بين “قوة الظهور” و”قوة الحفظ“.

يخاطب الكتاب الوعي العراقي المبدع بإعادة الاعتبار للميثولوجيا الرافدينية وملاحمها: الرؤية الأولى ووعي الأجداد. تؤكد الباحثة أن الوعي البدئي في بابل وسومر كان “الرائي الأول” لهذا الانشطار الوجودي. ففي ملحمة الخليقة(إينوما إيليش)، لم يكن انتصار مردوخ على ‘تيامات‘ نهاية للصراع، بل بداية لـ ‘برزخ أبدي‘؛ أفق مشدود بين السماء والأرض يمنع الانصهار ويتيح التواصل.
وفي ثنائية‘نمو‘و‘أبسو‘، تكمن الجذور الأولى للحقيقة الأنطولوجية التي توصلت إليها الباحثة: أن الوجود يقوم على برزخ يربط بين ظاهر وظلّي، وهو ما تسميه ‘الرتق الأول’ الذي سبقه الفتق.”لقد أدرك أجدادنا الأوائل بحدسهم الفطري وجود “الكون الموازي” والبرزخ الذي يفصل ويصل في آن واحد، قبل أن تفرض الفلسفة الكلاسيكية “وحدتها الصماء” التي بترت صلة الإنسان بظله الوجودي.

يتميز الكتاب بتقديم جهاز اصطلاحي مبتكر ومسجل كبراءة اكتشاف فكري للباحثة، يضم مفاهيم مسجلة كحقوق فكرية للمؤلفة، مثل “القوة التوليدية المزدوجة“و”اللحظة المنشطرة”، يخرج باللغة من سكونيتها إلى حركية الوجود المزدوج. وتطرح لهيب مفاهيم محورية مثل ‘القوة التوليدية المزدوجة بوصفها المحرك الأول الذي يمنع الوجود من الركود، و”الحجاب الأنطولوجي” الذي يصون الشطرين من الانصهار القاتل.
وتشرح الكاتبة كيف أن كل كينونة تحمل وجهاً ظاهراً يتفاعل مع الحدث، ووجهاً ظلياً يحتفظ بالذاكرة والاحتمالات غير المتحققة. بينهما يقوم “البرزخ الزمني“؛ ذلك الحقل التوليدي الذي يحفظ توازن النصفين. وحين يختل هذا التوازن، يبرز “الكيان الموازي“كواقع أنطولوجي يعيش بجوارنا، معيداً تعريف وعينا بذواتنا وبمفهوم “الآن“.

ولا تكتفي الكاتبة بالتنظير الفلسفي الصرف، بل تشتبك في فصلٍ محوري مع العلوم الحديثة، مقدمةً نقدًا راديكاليًا لنظرية ‘الكون الكتلي‘ (Block Universe) لهرمان مينكوفسكي. إذ ترفض الباحثة اختزال الزمن في فضاء ساكن من اللحظات المكتملة، لتقدم بديلاً حركيًا يتقاطع بذكاء مع مبادئ ‘ميكانيكا الكم’؛ حيث اللحظة هي ‘احتمال منشطر’ لا يتحقق إلا عبر فعل التوتر البرزخي. ومن خلال هذه ‘المصفوفة الأنطولوجية’، تعيد صياغة مفهوم ‘الآن‘ (The Now) لا كحدٍّ آني واحد، بل كالتقاء متوتر بين وجه ظاهر يتحقق في الزمن الجاري، ووجه ظلي يعمل في عمق البرزخ الكوني، مما يمنح النظرية صبغة علمية تجتاز حدود التجريد الفلسفي.”
الجديد الذي تطرحه لهيب عبد الخالق في الفصل العاشر هو ‘مصفوفة تحليل النص بوصفه زمناً منشطراً‘. فهي لا تكتفي بالتنظير، بل تقدم آلية تطبيقية تحول المفاهيم (الانشطار، البرزخ، الانقلاب، الموازي) إلى خطوات نقدية عملية. تبدأ بـ ‘تحديد اللحظة المنشطرة’ في النص، مروراً بـ ‘رصد البرزخ’ (الرمز أو الشخصية الوسيطة)، وصولاً إلى ‘تتبع لحظة الانقلاب’ التي يولد فيها ‘الكيان الموازي’. هذه المصفوفة تجعل النص مرآة للذات المنشطرة، وتكشف كيف يعيد الإبداع إنتاج قانون الازدواج من الداخل، حيث تصبح الكلمات بوابات للظلي، لا مجرد علامات لغوية.”

ومن “القرين” عند دوستويفسكي إلى “جرح” السياب لا يتوقف الكتاب عند التجريد، بل يمتد ليشتبك مع الفنون والآداب ببراعة فائقة. ينتقل النص بين مستويات متداخلة، محللاً “الزمن المنشطر” وتجليات “القرين” في روايات دوستويفسكي، والتمرد الأنطولوجي في شعر رامبو، وصولاً إلى تجربة بدر شاكر السياب والشعر العربي الحديث. وتوضح الباحثة كيف أن المبدع الحقيقي هو “حارس البرزخ” الذي يرفض الزمن الخطي القاتل، باحثاً دوماً عن “الرتق” المعرفي الذي يجمع شتات الذات المنشطرة في تجربة الكتابة.
إن تسجيل هذا المشروع كنظرية عالمية في كندا، بآلياتها الدينامية مثل “قانون التبادل الخفي” و”التماثل الانعكاسي”، وغيرها، يضع المثقف العربي أمام استحقاق جديد. هنا تتحول اللغة من أداة وصفية إلى “فعل توليدي“يلد فيه الحدث ومعناه معاً.





