بين الظاهر والباطن… “سلطة العراق” تُدار في العتمة!.




والأكثر دلالة أن اسمه لم يطفُ إلى السطح بوصفه نتاج مسار سياسي طبيعي، بل بوصفه نتيجة اصطفافٍ معقدٍ سبق الإعلان عنه، وهو ما جعل حضوره يثير أسئلة أكثر مما يقدّم أجوبة.
واللافت أن الزيدي، وفق الصورة المتداولة عنه، جاء من خارج النمط التقليدي للسياسي العراقي؛ فلا تاريخ انتخابياً واضحاً، ولا سيرة حزبية صاخبة، ولا حضوراً متراكماً في المناصب العامة. وهذا الغياب من جهة، والحضور المفاجئ من جهة أخرى، يكشفان أن الاختيار لم يكن مبنياً على تراكم تجربة بقدر ما كان مبنياً على قابلية الشخصية لأن تكون نقطة التقاء بين أطراف متباينة. فحين تُدفع شخصية بهذه الصفات إلى الواجهة، فإن السؤال لا يكون فقط: من هو؟ بل: لماذا هو الآن؟
ومن هنا تتكثف المفارقة الثانية: أن الرجل الذي لا يبدو نتاج صراعٍ انتخابي أو خطابٍ جماهيري، يُطرح فجأة بوصفه رأس السلطة التنفيذية المقبلة. هذا التحول السريع لا يشي فقط بأزمة تمثيل، بل بأزمة بنيوية أعمق؛ إذ تبدو الدولة، في مثل هذه اللحظات، وكأنها تبحث عن اسمٍ يصلح لإدارة التوازنات أكثر من بحثها عن مشروعٍ سياسي واضح. وعندما تتحول رئاسة الوزراء إلى وظيفة تسويات لا إلى وظيفة برنامج، يصبح اسم المرشح أهم من فكره، وأهم من سيرته، وأهم من علاقته بالناخبين.

وتكشف معلومات خاصة أن مسار ترشيحه مرّ بعمليات في غاية السرية، ابتدأت من إحدى الدول الخليجية، حيث جرى طرح اسمه بالتنسيق مع شخصية أمريكية نافذة مثل توماس بارك، وبالتواصل مع أحد كبار رجال السلطة القضائية في العراق. ثم نُقل عبر أحد قادة التنسيق ليُطرح داخل الإطار السياسي بموافقة مختلف الأطراف. غير أن كل ذلك لم يكن ليتم لولا موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أدرج اسمه ضمن قائمة المرشحين، وربما كان اختياره مرتبطًا بكونه قريبًا من اهتمامات ترامب باعتباره رجل أعمال. وقد كشف ترامب أمام الصحفيين قائلاً: “لقد جاء بموافقتنا”، في إشارة إلى أن الترشيح لم يكن بمعزل عن الرضا الخارجي.وهو ما يؤكد صحة المعلومات الخاصة.
وفي هذا السياق، تصبح “الوثيقة” أكثر من مجرد دليل؛ تصبح رمزاً للمعرفة السياسية في العراق. فكل ما لا يُقال علناً يظل معلقاً بين الشائعة والتحليل، وبين التسريب والتفسير. ولهذا فإن الحديث عن “سر لا يُبوح به إلا بوجود وثيقة” ليس مجرد استعارة، بل وصفٌ دقيق لطبيعة المجال السياسي نفسه، حيث لا يكفي المنطق وحده لتفسير ما يحدث، لأن كثيراً من القرارات تُدار في العتمة ثم تُقدَّم للناس بوصفها أمراً واقعاً.
كما أن الفجوة بين حجم الجدل حول الرجل وبين قلة ما هو متاح عنه من تصريحات وسير وسجلات سياسية، تزيد من انطباع أن الشخصية مرشحة لتأدية وظيفة سياسية أكبر من حجمها الظاهر. فحين لا يكون المرشح معروفاً بصلاته الحزبية أو بخطابه العام، يصبح قابلاً لأن يُملأ بالمعاني التي يريدها الفاعلون الأقوياء: تارةً باعتباره “الخيار التوافقي”، وتارةً باعتباره “الاسم الأقل صداماً”، وتارةً أخرى باعتباره “المرشح الذي جاء بعد اكتمال الإشارة الخارجية والداخلية“.

وهكذا لا تعود المفارقة في الزيدي مفارقة شخصٍ وحسب، بل مفارقة نظامٍ سياسي يفضّل إنتاج الوجوه من داخل التفاهمات لا من داخل المجتمع. فظهور اسم بلا تراكم جماهيري، وبلا مسار انتخابي واضح، وبلا سردية سياسية مكشوفة، ثم تحوله إلى محور الحديث، يكشف أن السلطة في العراق كثيراً ما تُدار بطريقة تجعل الظاهر أقل أهمية من الباطن، والمعلن أقل أهمية من المتفق عليه في الخفاء.
والمفارقة الأشد غرابة أن هذا الرئيس، الذي يُقدَّم بوصفه خياراً للتوازنات، هو نفسه الذي يُسدد منه معاش الدولة، رغم أن العراق يطفو فوق بحرٍ من النفط. إنها مفارقة تكشف عمق الأزمة: بلد غني بالثروات، لكن قراراته تُدار وكأنه فقير يبحث عن اسمٍ يملأ الفراغ أكثر من بحثه عن مشروعٍ يملأ المستقبل.





