نجيب المانع: الأديب والمترجم..وذكريات معه..




من الزبير إلى عالم الأدب
وُلد نجيب بن عبد الرحمن المانع في بلدة الزبير بمحافظة البصرة عام 1926، ونشأ في بيئة كان للقراءة واللغة العربية فيها حضور مهم. درس الحقوق في بغداد، لكنه اتجه في حياته الثقافية إلى الأدب والترجمة والنقد، واهتم بالثقافتين الإنجليزية والفرنسية، ووسّع معارفه بالقراءة والاطلاع المستمرين. وتكشف سيرته عن جهد شخصي واضح في تحصيل المعرفة؛ فقد اهتم بالأدب العالمي، وقرأ لعدد من كبار الكتّاب والفلاسفة، ولم يحصر اهتمامه في الأدب وحده، بل امتد إلى الموسيقى والسينما والمسرح.

ولهذا يصح النظر إليه بوصفه صاحب ثقافة موسوعية، لا مجرد مترجم متخصص في نقل النصوص. الترجمة نافذة على الثقافات تُعد الترجمة من أبرز جوانب تجربة نجيب المانع. ومن أشهر أعماله نقله رواية (غاتسبي العظيم) للروائي الأمريكي فرنسيس سكوت فيتزجيرالد إلى العربية، وهي رواية صدرت أصلاً عام 1925 وتُعد من الأعمال البارزة في الأدب الأمريكي الحديث.
كما ترجم كتباً ودراسات تتناول الأدب والفكر والموسيقى، من بينها أعمال عن دوستويفسكي وتولستوي وبيتهوفن ومارسيل بروست، إلى جانب كتاب (أشكال الرواية الحديثة). وتكشف هذه الاختيارات عن اهتمامه بالمعرفة الإنسانية في مجالات متباينة، وعن رغبته في إتاحة نتاج الثقافة العالمية للقارئ العربي. ولم تكن الترجمة في تجربته منفصلة عن النقد؛ فقد كان قارئاً متأملاً في أساليب الكتّاب وأفكارهم، وله آراء في الأدب العربي والعالمي، تناول فيها شخصيات أدبية كبيرة، وناقش طرائقها في الكتابة والتعبير.

نجيب المانع في مجلة عراق اليوم
تجمعني بالراحل نجيب المانع ذكريات مهنية وشخصية تعود إلى سنوات السبعينات من القرن الماضي عملنا في مجلة (عراق اليوم) الناطقة باللغة الانكليزية. كان المانع محرراً في المجلة، وكنت أعمل مصححاً فيها لأكثر من عامين، وقد تشاركنا الغرفة نفسها خلال فترة من ذلك العمل. عرفته إنساناً هادئ الطبع، لطيفاً في تعامله مع العاملين معه. لم يكن يميل إلى الأحاديث الجانبية أو التدخل في الشؤون الشخصية للآخرين، بل كان يفضل الحديث في الموضوعات الثقافية التي تشغله، وفي مقدمتها الأدب العالمي والموسيقى الكلاسيكية. وقد جمعتنا ظروف العمل مرة أخرى عندما تولى إدارة هيئة الترجمة في وزاة الثقافة والاعلام، حيث عملت أنا أيضاً مترجماً فيها. واستمرت معرفتي به حتى مغادرته العراق. إن ما بقي في ذاكرتي عنه ليس فقط ثقافته الواسعة، بل أيضاً أسلوبه في التعامل مع زملائه؛ فقد كان هادئاً، بعيداً عن التكلف، ويمنح الحديث الثقافي مكانة خاصة في حياته اليومية

الموسيقى الكلاسيكية: شغف يتجاوز الاستماع
من الذكريات التي ما زلت أحتفظ بها عن نجيب المانع اهتمامه بالموسيقى الكلاسيكية العالمية. لم يكن حديثه عنها مقتصراً على ذكر أسماء المؤلفين الموسيقيين الكبار، بل كان يتناول السيمفونيات وحركاتها، ويتوقف عند أجزاء معينة منها تسترعي انتباهه. ومن الأمثلة التي أتذكرها حديثه عن الحركة الأولى من السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، التي كان يوليها اهتمامًا خاصاً. وقد شجعني، عندما كنا نتشارك الغرفة نفسها في مجلة (عراق اليوم)، على الاستماع إلى السيمفونيات والتعرف إلى هذا العالم الموسيقي. كان لهذا التشجيع أثر في توسيع اهتمامي بالموسيقى، وأصبحت هذه الذكرى جزءاً من الصورة التي أحتفظ بها. فالثقافة لا تنتقل دائمًاً عن طريق الكتب والمحاضرات؛ قد تنتقل أيضاً من خلال حوار بين زميلين، أو نصيحة يقدمها أحدهما للآخر، أو تجربة فنية يشجع أحدهما الآخر على اكتشافها. وعلمت أنه كان يخصص في منزله غرفة للكتابة والاستماع إلى الموسيقى. ولا أذكر ذلك بوصفه مشهداً عايشته بنفسي، وإنما باعتباره جانباً عرفته من حياته، ويتفق مع ما لمسته من اهتمامه العميق بالأدب والموسيقى

(تماس المدن ) و(ذكريات عمر أكلته الحروف)
لم يقتصر إنتاج نجيب المانع على الترجمة والمقالات النقدية، بل كتب القصة القصيرة، وأصدر روايته (تماس المدن) عام 1979، وهي تجربة سردية تستحق الاهتمام ضمن مسيرته الأدبية. ومن الأعمال المهمة للتعرف إلى عالمه الفكري كتابه (ذكريات عمر أكلته الحروف)، الذي يجمع ذكرياته وتأملاته في القراءة والكتابة والحياة الثقافية. ولا تقتصر أهمية هذا الكتاب على ما يقدمه من معلومات عن حياته، بل تكمن أيضاً في آرائه النقدية وتأملاته في الأدب العربي والعالمي. وتتيح هذه الذكريات للقارئ الاقتراب من طريقة تفكيره، ومن الكتب والأسماء التي شغلت اهتمامه، كما تكشف عن صلته العميقة بالقراءة، التي لم تكن عنده مجرد وسيلة للتحصيل، بل جزءاً أساسياً من تجربته في الحياة.

رحيل الجسد وبقاء الأثر
غادر نجيب المانع العراق، واستقر في لندن، حيث توفي عام 1991. لكن رحيله لم يُنهِ حضوره في الحياة الثقافية؛ فما زالت ترجماته وكتاباته وذكرياته تتيح للأجيال الجديدة فرصة التعرف إلى تجربته. وعندما أستعيد ذكرياتي معه، لا أستحضر الكاتب والمترجم المعروف وحده، بل أستحضر زميلاً هادئاً، لطيف المعاملة، يحب الأدب والموسيقى، ويشجع من حوله على الاقتراب من عوالم ثقافية جديدة.





