أميركا بين المواطنة والهوية: ماذا يعني أن يصبح المسلم موضع اتهام مسبق؟



حين يُقال إن المسلم الذي يشغل منصباً عاماً يمكن أن يكون (حصان طروادة) أو تهديداً للأمن القومي والجمهورية لمجرد انتمائه الديني، فإن المسألة تتجاوز نقد شخص أو جماعة سياسية بعينها. إنها تنقل الشبهة من الفعل إلى الهوية، ومن السلوك إلى العقيدة، ومن المسؤولية الفردية إلى الانتماء الجماعي. وهنا تكمن خطورة الفكرة.
المشكلة ليست في نقد الإسلام..
فنانسي ميس، جعلت من الإسلام تهمة، وحوّلت الأمن القومي إلى محكمة للهوية الدينية!!. وارتضت بجعل “مكافحة التطرف”، مادة لصناعة الشبهة: والخطر الكامن في خطاب نانسي ميس، وحتى خطاب ترامب ، أنهما جعلا من مجرّد الانتماء الديني “تهمة سياسية”
نقول: من المهم، قبل نقد ميس، أن نضع حدوداً واضحة للنقاش. ليس كل نقد للإسلام أو للإسلام السياسي تعصباً، وليس كل مسلم فوق النقد. ومن حق الدولة الأميركية أن تواجه الإرهاب والتطرف والعنف السياسي، وأن تحقق في أي مواطن تشتبه في علاقته بدولة أجنبية أو منظمة إرهابية، أياً كان دينه أو أصله.
لكن الدولة القانونية لا تسأل أولاً: ما دين هذا الإنسان؟. بل تسأل: ماذا فعل؟ وما الدليل؟. وهذا الفارق جوهري.فالمسلم ليس بالضرورة إسلامياً، والإسلامي ليس بالضرورة متطرفاً، والمتطرف ليس بالضرورة إرهابياً، والإرهابي لا يصبح إرهابياً بسبب دينه، وإنما بسبب أفعاله وممارساته وشبكاته وأهدافه.

إلغاء هذه الفروق ليس مجرد خطأ في اللغة، إنه خطأ في التفكير السياسي والأمني. إنّ الخلل الأكبر في رؤية ميس، في تقديرنا، هو أنها تقلب القاعدة التي تقوم عليها العدالة الحديثة. في النظام القانوني الطبيعي، الإنسان بريء حتى تثبت إدانته. أما عندما يصبح الانتماء الديني سبباً كافياً للريبة، فإن المواطن يجد نفسه مطالباً بإثبات ولائه قبل أن يثبت أحدٌ عليه شيئاً.
وهنا يتحول المسلم من مواطن يخضع للقانون مثل غيره إلى مواطن تحت الاختبار. إن القول بأن المسلم الذي يدخل مؤسسة الدولة قد يكون “حصان طروادة” يفترض، ضمنياً، أن هناك شيئاً خفياً في هويته الدينية قد يجعله أقل ولاءً من غيره. وهذا افتراض لا يحتاج فقط إلى دليل، بل يحتاج إلى تبرير دستوري وأخلاقي لا يبدو متوافراً.
فهل المسلم الأميركي الذي يؤدي القسم الدستوري، وينتخب بصورة قانونية، ويخضع للقوانين الأميركية، ويشارك في مؤسساتها، يبقى مشبوهاً لأنه مسلم؟. إذا كانت الإجابة نعم، فإن المشكلة لم تعد في ذلك المسلم، وإنما في تعريف المواطنة نفسه.
وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية. فالنائبة نانسي ميس تقول إنها تدافع عن الجمهورية والأمن القومي والولاء للولايات المتحدة. لكن الجمهورية الأميركية تقوم، في جوهرها، على فكرة أن المواطنة علاقة سياسية وقانونية، وليست شهادة في الدين أو الأصل أو العرق. فالولايات المتحدة لم تُبنَ على شرط أن يكون المواطن من عقيدة معينة، وإنما على إطار دستوري يمنح المواطنين حقوقاً ويفرض عليهم واجبات. ولهذا فإن تحويل الإسلام إلى معيار مسبق للحكم على الولاء السياسي لا يضع المسلمين وحدهم في دائرة الخطر، بل يضع مبدأ المساواة أمام الدولة نفسه في موضع السؤال.
والأمر يصبح أكثر إثارة للقلق حين نضع تصريحات ميس ضمن سياق سياسي أوسع من مواقفها المتعلقة بالهجرة والمواطنة وشروط شغل المناصب العامة. عندها لا تعود القضية جملة منفصلة، بل تبدو جزءاً من خطاب سياسي يريد إعادة تعريف سؤال: من هو الأميركي الحقيقي؟
وهذا سؤال خطير جداً.

من “الأميركي” إلى “الأميركي الحقيقي”؟
التاريخ السياسي يعلمنا أن أخطر التحولات تبدأ أحياناً من تغيير صغير في معنى الكلمات. فإذا أصبح “الأميركي” هو المواطن الذي يحمل الجنسية ويخضع للدستور، فإن المسألة واضحة. لكن إذا أصبح “الأميركي الحقيقي” هو من ينتمي إلى دين معين، أو ولد داخل حدود معينة، أو يمتلك ثقافة محددة، أو لا يحمل خلفية عائلية مهاجرة، فإننا نكون قد انتقلنا من مفهوم قانوني للمواطنة إلى مفهوم هوياتي.
وهنا تبدأ المشكلة.
فمن يحدد “الأميركي الحقيقي”؟
ومن يملك حق استبعاد الأميركي الذي لا تنطبق عليه المواصفات الجديدة؟. وإذا جاز أن تكون عقيدة المسلم سبباً للشك في ولائه، فلماذا لا يمكن غداً أن يكون أصل المهاجر أو جنسيته السابقة أو لغته أو مواقفه السياسية سبباً آخر؟
إن منطق التمييز لا يعرف دائماً أين يتوقف. والأمن القومي ليس شيكاً على بياض. ربما تكون عبارة “الأمن القومي” أكثر العبارات قابلية للاستعمال السياسي في زمن الخوف. وبالتأكيد تحتاج الدولة إلى حماية أمنها. لكن الأمن القومي لا يمكن أن يصبح مبرراً لتعليق القواعد التي تحمي المواطنين من الاشتباه الجماعي.
إذا كان هناك مسلم يتجسس، فليُحاسب. وإذا كان هناك مسلم يموّل الإرهاب، فليُحاسب. وإذا كان هناك سياسي يتلقى توجيهات من حكومة أجنبية، فليُحاسب. لكن المسلم الذي لا يفعل شيئاً من ذلك لا يمكن تحويل دينه إلى ملف أمني. وهنا تكمن المفارقة: التعميم الذي يضع ملايين المسلمين في دائرة الشبهة قد يضعف، لا يقوي، قدرة الدولة على مكافحة التطرف.
فالمجتمع الذي يشعر بأن هويته كلها موضع اتهام قد يفقد الثقة بالمؤسسات، بينما مكافحة الإرهاب تحتاج إلى الثقة والتعاون والمعلومات والمشاركة المجتمعية. إن الكارثة الاجتماعية المحتملة، تكمن في إمكانية تحول هذا الخطاب إلى تيار سياسي واسع، فقد تكون نتائجه أبعد بكثير من الجدل الانتخابي.

قد يبدأ الأمر بتصريحات، ثم يتحول إلى حملات انتخابية، ثم إلى مطالب سياسية، ثم إلى إجراءات قانونية أو إدارية. وعندها يمكن أن تتشكل دائرة خطرة. إنّ الشبهة تولّد الخوف، والخوف يولّد العزلة، والعزلة تولّد الغضب، والغضب قد تستغله الجماعات المتطرفة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى، فالسياسة التي تقول إنها تريد حماية المجتمع من التطرف قد تخلق، إذا قامت على الاشتباه الجماعي، بيئة اجتماعية يستفيد منها المتطرفون. إن المواطن المسلم الذي كان يرى نفسه أميركياً أولاً قد يبدأ، تحت ضغط التمييز، في رؤية نفسه بوصفه عضواً في جماعة محاصرة. وهذه النتيجة ليست في مصلحة المسلمين ولا في مصلحة الدولة الأميركية.
ومن أميركا إلى كندا وأوروبا، لا تنتهي المشكلة عند الحدود الأميركية. فالولايات المتحدة ليست مجرد دولة أخرى في العالم الغربي، إنها قوة ثقافية وسياسية وإعلامية هائلة. وما يحدث في واشنطن ينتقل، بدرجات مختلفة، إلى النقاش السياسي في كندا وأوروبا. وقد تجد أحزاب اليمين الشعبوي في بعض الدول الأوروبية وكندا في هذا الخطاب مادة جاهزة لإعادة طرح أسئلة الهجرة والاندماج والمواطنة والأمن من منظور أكثر تشدداً.
لكن ينبغي هنا ألا نقع في مبالغة معاكسة. ليس معنى ذلك أن كندا أو أوروبا ستسلكان الطريق الأميركي نفسه حتماً. لكل مجتمع تاريخه وقوانينه وتركيبته السياسية. إنما الخطر هو تطبيع اللغة. فاللغة السياسية حين تتكرر تفقد تدريجياً صدمتها الأولى. وما كان غير مقبول بالأمس قد يصبح قابلاً للنقاش غداً، ثم يتحول بعد غد إلى شعار انتخابي، وربما إلى سياسة عامة.

لا ينبغي أيضاً شيطنة ميس. والنقد الموضوعي يقتضي ألا نرد على ميس بالمنطق نفسه الذي ننتقدها به. ليس المطلوب شيطنتها أو وصف كل من يؤيدها بالعنصرية، فهذا سيغلق باب الحوار ويمنح خطابها فرصة للظهور بمظهر الضحية. المطلوب هو تفكيك الفكرة. ويمكن للمرء أن يكون شديد القلق من الإسلام السياسي، وأن يرفض التطرف، وأن يدافع عن أمن الولايات المتحدة، وأن يعارض الهجرة غير المنضبطة، من دون أن يجعل المسلم في ذاته مشبوهاً.
بل إن التفريق بين المسلم والإسلامي والمتطرف والإرهابي هو في ذاته جزء من الأمن القومي الرشيد. الاختبار الحقيقي للجمهورية في النهاية، القضية ليست في نانسي ميس وحدها. إنها في السؤال الذي تضعه تصريحاتها أمام الأميركيين:
هل تكون الولايات المتحدة دولة مواطنين متساوين، أم دولة يُقاس فيها الولاء بحسب الدين والأصل والهوية؟
إذا كان المسلم مواطناً أميركياً كاملاً عندما يدفع الضرائب، ويخدم بلده، ويحترم القانون، ويصوّت، ويترشح، ويشارك في الحياة العامة، فلا يجوز أن يفقد هذه المواطنة عندما يدخل مؤسسة سياسية لأنه مسلم. وإذا كان هناك مسلم يخون بلاده، فليُحاسب على خيانته؛ لا على إسلامه.
هذه ليست مجاملة للمسلمين، ولا دفاعاً عن دين ضد دين.
إنها دفاع عن المبدأ الذي يجعل المواطن مواطناً. والتاريخ الأميركي نفسه يقدم الدرس الأهم: المجتمعات الديمقراطية لا تصبح قوية عندما تجعل مواطنيها يخافون من هويات بعضهم بعضاً، وإنما عندما تجعل القانون أقوى من الخوف، والمواطنة أقوى من الأصل، والدليل أقوى من الشبهة.
وفي تاريخ أميركا ما هو معروف على نطاق واسع:
أحتقار اليهودي لمجرّد أنه يهودي!!!
احتقار الزنجي، لمجرد أنّ لونه أسود!!!
لكنّ كل ذلك تغيّر، فمن وراء محاولات إعادة إشعال “الكراهية” ضد المسلمين؟!





